29 مايو، 2011

علو شأن الآبائية.. ينذر بالإنقلاب الفكري


وإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَيَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلاَ يَهْتَدُونَ.  - البقرة 170.
وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُواْ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَاأَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلاَ يَهْتَدُونَ - المائدة 104.
سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ لَوْ شَاء اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ كَذَلِكَكَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم حَتَّى ذَاقُواْ بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنتَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنتُمْ إِلاَّ تَخْرُصُونَ - الأنعام 148.
وكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَا إنَّا وجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَىأُمَّةٍ وإنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ * قَالَ أَوَ لَوْ جِئْتُكُم بِأَهْدَى مِمَّا وجَدتُّمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ قَالُواإنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ. - الزخرف 23.
قَالُواْ أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاء فِي الأَرْضِ وَمَا نَحْنُلَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ. - يونس 78.
وَإِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً قَالُواْ وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءنَا وَاللّهُ أَمَرَنَا بِهَا - الأعراف 28.
قَالُواْ أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَالصَّادِقِينَ - الأعراف 70.
وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُبِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُواْ إِنَّمَاأَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ - الأعراف 172-173.

هذا ما ذكر القرآن من قصص الشعوب المنذرة وكيف أنهم دائماً ما كانوا يحتجون باتباع آبائهم. والمفارقة هي أن الدين أو الأيدلوجية تبدأ نقية ثم تتحول في أغلب الأحيان إلى آبائية صماء. ليأتي من يثور عليها سواء ديناً جديداً أم فكراً معاكساًلأيدلوجية الآباء.

ولو أخذنا الحالة الإجتماعية بالإعتبار عند ثورة المسيحية أو ما يسمى آنذاك الناصرية على اليهودية، لرأينا تشابه الحالة بشكل يدعو إلى الدهشة!! فلم يكيشكك أغلب اليهود بقدسية عيسى ولكن التيار السائد هناك والمهادن للسلطة الخارجية الحاكمة كان المعمدانية. والمعمدانيين المتشددين رفضوا سماحة هذا النبي الجديد بحجج آبائية ليألبوا المجتمع والسلطة عليه.. فقد كانوا مجموعة محدودة من المجتمع ولكنهم ذوي صوت صاخب ومسموع. لذا كانت خياراتهم تفرض على الأغلبية الصامتة. وكذلك تتشابه قصص الثورات الأيدلوجية في جميع الحضاراتتقريباً. فنجد ذلك في ثورة البوذية الفكرية على المجتمع الهندي وتشريعاته غير المنصفة في تقسيم الشعب إلى طبقات فوقها فوق بعض. ونجد التيارالكفوشوسي يتخذ من الآباء آله لتكتسحه البوذية أيضاً. وما ثورات أوروبا الحديثة على الحكم البابوي إلا نموذج آخر لإستبداد الآبائية على الفكر في نهايته قبل زواله..

وفي جميع الحالات، تنمو الآبائية، الضرورية لإستمرار سيطرة ثلة القادة الفكريين على عموم الشعب، سواءاً بوعي هؤلاء القادة أو بدونه. فبعد زمن الإبتداء، يحتاجالفكر للتجديد لضمان الإتباع. لذا تبرز الآبائية كأكثر الأدوات تقبلاً للعامة ولكنها مع الزمن تصبح فكراً آخراً مغايراً لحد كبير للفكر الأصلي الإبتدائي يتشابه معه في العنوان أكثر من المضمون. فنرى كيف أن تشوهت المسيحية إلى نسخة من الوثنية اليونانية القديمة، وكيفية أمسى دين إبراهيم دين قريش والجزيرة العربية قبل الإسلام، وكيف أن الإسلام نفسه تعددت نسخه إلى أيدولوجيات جديدة لا تمت لبعض سوى بصلة الإسم.

فالمرحلة الأولى لأي أيدلوجية جديدة تكون في حالة الفكر الحر النسبي القادر على وعي فكر العامة. ثم تأتي المرحلة الثانية عندما يسيطر خاصة من سادة هذا الفكر الذين نشأت سلطتهم وتعاظمت مع الزمن ليمل الشعب السلطة التلقينية المطلقة على الفكر والتي من أعظم سلبياتها دحر التقدم المدني ما أمكن لأن التغيير دائماً ما ينقص من سلطتها الفكرية. فيبدأ التململ لينمو تدريجياً عبر الزمن ليسود غالبية العامة. ثم ليظهر من هذه العامة خاصة يواجهوا خاصة الفكر الآبائي المسيطر. ويكون من خواص هذه المواجهة في بدايتها تأييد العامة السري للفكر الجديد لينتقل إلى العلن في مراحله المتأخرة. لتكون المرحلة الثالثة وهي الثورة والتعزير بخاصة الفكر الآبائي حسب درجة إستبدادهم السابق. فإن كانوا قد أمعنوا إستغلال العامة نكل بهم وإن كانوا قد رفقوا، رفق بهم.

ويكمن، في رأيي، استقراء هذه الدورة الفكرية في التيارات الفكرية الفرعية كمثل الشيعية الأيرانية الفارسية المعاصرة أو حتى السنية السلفية ذات النسخة النجدية. فالفرس الأيرانيين أخذوا نسخة قديمة من الإسلام وطوروها عبر الزمن لتصبح نسخة معدلة تختلف كثيراً عن ما بدأت. ولكن آبائيتهم قد بلغت قمة دورتها، فهم في نهاية المرحلة الثانية حيث يمرون بالمرحلة الإنتقالية من الرفض السري إلى الرفض العلني للعامة. لذا قد نستنتج أفول هذا الفكر وبل محاربته علنياً قريباًفي مدى السنين العشر القادمة.

وإذا حللنا دورة الفكر السلفي العربي النجدي الحالي، نجد أننا في المرحلة الثانية أيضاً.  ولككنا لسنا في تقدم دورة الإثناعشرية الفارسية. فلازال الرفض الجزئي في السر طاغياً ولكن ليس من الغالبية الساحقة. وإن كان أوضح منه لسكان المدن الكبرى من الصغرى والقرى والبادية. كما أنه أقل استبداداً ممن ذكر قبله. ولكن هذه النسخة الآبائية لاتزال في مرحلة قمتها وإن ظهرت بدايات الضعف تطفو على السطح. وما محاولات رفض الآبائية في قيادة المرأة بالمملكة إلا إفرازات هذه المرحلة. وإن أفلت هذه الكرة فلن نلبث أن نرى أخرى. كم أود الإسهاب في شرح أمثلة عن هذه المرحلة الفرعية، ولكن حساسية سماتها تضبطني..

ليست هناك تعليقات: