30 أبريل، 2011

إسلام بلا مذاهب


لو أن أي مسلم سئل في مثل هذه الأيام عن أكبر سبب لفرقة المسلمين وشتاتهم، وعن سبب العنف الحادث بينهم، لأجاب بلا تردد: الطائفية والانتماء المذهبي المتعصب. هذا السبب هو المهيج للاختلافات بين اللبنانيين والعراقيين والمصريين والخليجيين، بل وفي مناطق أخرى من العالم الإسلامي مثل إندونيسيا. الإسلام المرتبط بالمذهب أكثر من ارتباطه بالدين وبجوهره يضيع على الناس فرصة تحقيق مقصد الإسلام الأساسي، وهو الاعتصام بحبل الله جميعاً من دون فرقةٍ أو تنافر

ودع علماء الأزهر وأساتذة جامعة عين شمس قبل أمس العالم المصري الدكتور: مصطفى الشكعة صاحب أحد أهم وأشهر المراجع في شؤون المذاهب والفرق الإسلامية "إسلام بلا مذاهب" الذي وافته المنية عن 94 عاماً. الزميل حازم عبده كتب في خبر "الوطن" عنه قائلاً:" عُرِف الشكعة بمواقفه وآرائه الجريئة، وكان من أشدّ الغيورين على الإسلام والمدافعين عنه، وله العديد من المؤلفات الأدبية والإسلامية، أبرزها كتابه الشهير "إسلام بلا مذاهب" الذي قدم له شيخ الأزهر الراحل الدكتور محمود شلتوت في عام 1960 وصدرت منه أكثر من خمس وعشرين طبعة، ودعا فيه إلى وحدة المسلمين بمختلف مذاهبهم ومحاربة التعصب الذي يبعث على التشرذم والفرقة. بالإضافة إلى جهوده من أجل الحفاظ على اللغة العربية، واعتراضه على تعديلات قانون الأحوال الشخصية وقانون الطفل المخالفة للشريعة الإسلامية". 

وكم يذكرني العالم الراحل بدعوات السيد: علي الأمين، الذي أسعد كلما سنحت لي فرصة لقائه أو القراءة له أن في العالم الإسلامي من هو مثله، في دعوته للاجتماع ونبذ الفرقة بين السنة والشيعة أو بين المذاهب السنية المتحاربة، أو التوجهات الشيعية المتحاربةُ فيما بينها. رحل مصطفى الشكعة والعالم الإسلامي في ذروة الاختلاف والافتراق، وفي صميم التحارب، رحل وقد زاد في العالم الإسلامي بلد يكاد يعيش سياسياً على المحاصصة الطائفية وأعني به العراق!

كان الغيارى على المجتمعات والشعوب يتمنون أن يزول النظام الطائفي في لبنان، لكن سرعان ما ولد بلد طائفي جديد وهو العراق من خلال المطاحن المذهبية التي تعصف به. ليت أن دعوات أمثال هؤلاء العلماء المنفصلين عن الانتماء الأعمى للمذاهب والطوائف، ليت أن دعواتهم تكون منهجاً للتعايش المذهبي، وبخاصةٍ أننا نرى الإعلام نفسه وقد غدا طائفياً، بل ووضعت قوائم لمطاعم ومنتجات غذائية وفق الانتماء الطائفي، صرنا أمام عصائر سنية وأخرى شيعية ... ويا له من عجب، زمن المذاهب الذي يغيب عنه مقصد الإسلام الأسمى!

27 أبريل، 2011

من المكلا الى الخبر

رواية جديدة هي الرابعة للباحث البحريني عبدالله المدني صدرت حديثاً عن المؤسسة العربية بعنوان «من المكلا إلى الخبر». يحاول المؤلف فيها أن يؤرخ اجتماعياً وسياسياً لحقبة زمنية صعبة ومتشابكة الأحداث، من خلال ثلاث شخصيات رئيسة هي: بطل الرواية الشاب الحضرمي «سالمين باسامر» الذي يهاجر من مدينته المكلا في آخر الخمسينات إلى السعودية، بحثاً عن الثراء، فيبدأ بدايات متواضعة، قبل أن يقوده كفاحه ومثابرته وذكاؤه إلى التحول إلى اسم مرموق في عالم المال والأعمال. والصبي السعودي المراهق «سعد الدوسري» الذي يرتبط بسالمين بعلاقة تتعدّى روابط الجيرة إلى الارتباط الفكري والأيديولوجي. والفتاة الفلسطينية «سها» التي تعيش أسرتها في الحي نفسه الذي يحتضن سالمين وسعد، ما يجعلها موضوعاً للتنافس الغرامي بينهما إلى أن يظفر بها سالمين أخيراً، بفعل ثرائه.
تضم الرواية الكثير من الشروح والمعلومات والحوارات والأسماء والصور التي تساعد القارئ على تشكيل مشاهد مكتملة عن حقبتي الخمسينات والستينات في تاريخ مدينتي المكلا والخبر، فضلاً عما جرى من تطورات اجتماعية واقتصادية وسياسية للمدينتين في الحقب التالية، وإن كان التركيز على الخبر أكبر لكونها المكان الذي يجرى فيه معظم أحداث الرواية.

26 أبريل، 2011

ثورة النساء

أدلت الأميرة عادلة بنت عبدالله بن عبدالعزيز أخيراً بتصريح خصت به القناة الفرنسية «فرانس24» أثناء ترؤسها لمناسبة ثقافية تحت شعار «أنا سعودية»، التي كانت تهدف إلى إقامة الروابط بين مختلف الثقافات والتعريف بجهود النساء السعوديات وإسهاماتهن في المجتمع السعودي، بأن النساء في السعودية يرغبن في دور وتمثيل أكبر في بلادهن، وأشارت في تصريحها إلى أن من حق كل شخص التعبير عن رأيه بطريقة متحضرة، وأن من حق النساء في السعودية التعبير عن رأيهن ووجهة نظرهن وآمالهن وأهدافهن، وضربت على ذلك مثلاً بحملة «ثورة المرأة السعودية»، أو «ثورة النساء السعوديات»، وهي حملة دشنتها أخيراً مجموعة من النساء السعوديات على موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك» و«تويتر»، فبعد أن برز وبشكل واضح الدور والتأثير الكبير الذي باتت تلعبه الشبكات الاجتماعية في التغيير وفي تحريك المياه الراكدة والآسنة جاءت هذه الحملة تحت مسمى «ثورة النساء السعوديات» لتعبر من خلال تلك الأدوات والقنوات ووسائل التواصل الاجتماعي عن مطالب وحقوق تتفق وتجمع عليها بالتأكيد شريحة كبرى من النساء في مجتمعنا السعودي، وحتى من تختلف معهن من النساء في رفض تلك المطالب والحقوق والوقوف بالضد تجاهها، فكلي أمل أيضاً أن يأتي اليوم الذي يشعرن فيه بأهمية تلك المطالب والحقوق التي ستمنحهم الشعور بالإنسانية الحقيقية.
لقد أوضحت هذه الحملة ومنذ بدايتها عن جملة من أهم المطالب الرئيسة للمرأة السعودية، التي من أبرزها: إعطاء المرأة السعودية حقوقها والاعتراف بكامل أهليتها كإنسان ومواطن في المجتمع بعد بلوغها السن القانونية (18 عاماً) بحيث يتم إلغاء وصاية الرجل عليها أو ما يصطلح عليه عرفاً وقانوناً بولي الأمر، فالمرأة في مجتمعنا لا تزال تعيش حتى الآن تحت وطأة نوع من التسلط والتحكم السالب لأهليتها وإرادتها في تحديد قراراتها المصيرية وخياراتها الشخصية، بل إنها ومهما بلغت من مكانة علمية أو اجتماعية فإن كثيراً من خياراتها في النهاية تبقى مرهونة بالهامش الذي يسمح به ما يُعرف بالولي أو الوصي، سواء كان أباً تجاه ابنته، أو زوجاً تجاه زوجته، أو أخاً تجاه أخته، أو حتى في أحوال عدة ابناً تجاه أمه، فالمرأة التي يكرمها الله وينعم ويتفضل عليها بولي متفهم لشيء من حقوقها ومتطلباتها الحياتية فقد تيسرت وانفتحت الأبواب أمامها لتحقيق أمنياتها وخياراتها في الحياة، وأما من حرمت ذلك الخير العظيم والوفير وابتليت بولي لا يعترف بحقها وخيارها الإنساني في الاختيار والتعلم والعمل والعلاج والسفر فستظل تعيش طول عمرها تحت رحمة ذلك الولي!
في المقابل فإن من المؤسف حقاً أن التقارير الحقوقية لدينا حينما تتحدث عن حقوق المرأة السعودية واستقلاليتها، فإنها كثيراً ما تتباهى وتتفاخر أمام المنظمات الرسمية والحقوقية العالمية من أن المرأة السعودية وصلت وبلغت عدداً من المناصب المحلية والعالمية، وأن فئة من النساء أصبحن يمثلن بلادنا في المحافل العالمية والدولية كصورة عاكسة لمدى فعالية ومشاركة واستقلالية المرأة السعودية في المجتمع، في الوقت الذي تغفل فيه تلك التقارير عن الواقع الحقيقي الذي تعيشه ما يزيد على 90 المئة من النساء في المجتمع اللاتي حرمن أدنى صور الاستقلالية والاختيار لكثير من شؤونهن الشخصية! بل وتشير تلك التقارير وتؤكد أيضاً على أهمية ودور الاتفاقات الدولية التي تم التوقيع عليها في تمكين المرأة السعودية نحو مزيد من الازدهار والعطاء كاتفاق «سيداو» المعني بمكافحة أشكال التمييز كافة ضد المرأة، ولا شك أن مثل هذه الاتفاقات لا يمكن تطبيقها في ظل غياب مدونة أو مرجعية تشريعية وقانونية واضحة في ما يتعلق بقانون الأحوال الشخصية المتعلقة بالمرأة كقضايا الزواج وتحديد سنه والنفقة والطلاق وكفاءة النسب والعضل وهو ما طالبت وأكدت الحملة على أهمية وجوده، وهذا ما يشير للمراقب إلى عدم وجود رؤية واضحة وجادة حتى الآن في تطبيق حقيقي لمثل تلك الاتفاقات والاكتفاء بعملية تجميل الصورة دولياً أمام وسائل الإعلام الخارجية!
كذلك طالبت الحملة بإنشاء هيئة تختص بشؤون المرأة مرتبطة مباشرة بالديوان الملكي ويكون لها صلاحيات واسعة ولوائح تنفيذية، تقوم بمراقبة أداء الأجهزة الحكومية، وتعمل على تطوير مشاركة المرأة في المجتمع، وتضمن دمج المرأة بشكل أوسع ووفق الضوابط الإسلامية التي كفلت للمرأة المشاركة بالعمل وبكل مجالات الحياة، وليس وفقاً لمنهج «الخصوصية» المزعومة التي أصبحت ذريعة لرفض التغيير والتحديث في المجتمع عموماً وفي واقع المرأة خصوصاً، وكذلك المطالبة بالمساواة بين الرجل والمرأة وإعطاء الجميع الحقوق والواجبات ذاتها التي من أهمها منح المرأة السعودية الجنسية لأطفالها، إن كانت متزوجة من غير سعودي، والمطالبة بالسماح للمرأة بقيادة السيارة ورفع القيد والمنع عنها في ذلك، إلى غير ذلك من المطالب. وقد قامت الحملة على تحديد إستراتيجية إعلامية وتوعوية وتنظيمية يتم من خلالها توعية النساء بحقوقهن وإيصال مطالبهن إلى المسؤولين في الدولة. وتوجهت الحملة أيضاً بالشكر الجزيل للأميرة عادلة بنت عبدالله لثنائها على حملة ثورة المرأة السعودية، وتمنت الحملة منها دعماً عملياً ومساندة لتحقيق مطالبها.
إن هذه الحملة ما هي إلا محاولة ووسيلة من الوسائل المتعددة للمطالبة بحقوق المرأة السعودية، ولست متفائلاً كثيراً بحديثي ها هنا في حجم نجاح هذه مثل هذه الحملات في التغيير على أرض الواقع، ولكن تبقى أهميتها - كما أشرت في بداية حديثي - إلى دورها المهم في تحريك المياه الراكدة، ويبقى من المهم والضروري الاستفادة منها ومن التجارب والحملات الحقوقية كافة من أجل السعي للوصول والارتقاء بها إلى الهدف المنشود.

25 أبريل، 2011

السعودية التي ستحصل على نوبل


ما زلنا نستورد أخبار تفوق مواطنينا من الصحف ووسائل الإعلام الدولية. فبعد خبر إنجاز غادة المطيري، ثم صالح الزيد، يأتي اليوم خبر تكريم الباحثة، هبة الدوسري.
نشرت العديد من وسائل الإعلام في المملكة المتحدة طوال الأيام الماضية باهتمام نبأ فوز الباحثة، هبة الدوسري، التي تدرس الدكتوراه في جامعة استراثكلايد بجلاسكو في اسكوتلندا، بجائزة المجلس الثقافي البريطاني إثر إنجازاتها البحثية ونبوغها خلال دراستها دون أن نجد إشارة ولو طفيفة لهذا الفوز في صحفنا أو قنواتنا العامة أو الخاصة

فازت هبة بجائزة مادية ومعنوية مجزية من مؤسسة بريطانية نظير ما قدمته خلال مسيرتها البحثية في محاولة إيجاد علاج للسرطان من خلال صيغة متطورة باستخدام تقنية النانو تهدف لعلاج الخلايا السرطانية بصورة انتقائية دون المساس بالخلايا السليمة. تفوقت هبة على أكثر من 1200 طالب أجنبي، من 118 دولة، في المؤتمر التاسع للطلاب الأجانب في المملكة المتحدة. وقد وصف الرئيس التنفيذي للمجلس الثقافي البريطاني، مارتن ديفيدسون، الرسالة التي تضمنت إنجازات هبة بـ : "المؤثرة والملهمة". وعلقت مشرفتها في جامعة استراثكلايد، كريستين دوفيس، بزهو على إنجاز طالبتها هبة قائلة: "إنه ليس إنجازها الوحيد. لقد فازت في مناسبات عديدة خلال دراستها للدكتوراه".

هبة، المحاضرة في كلية الصيدلة بجامعة الملك عبدالعزيز بجدة، والأم لثلاثة أطفال، تحقق الانتصارات العلمية الواحد تلو الآخر دون أن نجد لها خبرا كبيرا أو صغيرا في صحفنا. لو كانت هبة لاعب كرة قدم أو حتى إداريا كرويا لوجدنا من يتابعها ويبعث لمتابعة أخبارها وفدا ولو إلى الشرق الأقصى أو سهول أوروبا

أتذكر أن لاعبا محليا، أجرى عملية طفيفة، في ركبته لاحقته قنواتنا الفضائية إلى باريس. أجرت معه حوارات تلفزيونية في عيادة الطبيب الذي أجرى له العملية، وفي بهو الفندق الفاخر الذي يقيم فيه، وقتئذ. في المقابل لم تجد هبة عدسة واحدة تلتقط صورة لها وهي تكرم في مؤتمر دولي في 13 أبريل الجاري. لم تجد صحفيا أو حتى ربع صحفي يقوم بكتابة خبر عن تكريمها

إنني أتساءل أين وزارة التعليم العالي؟ أين فريق العلاقات العامة عن تفوقها. أين جامعة الملك عبدالعزيز عن مبتعثتهم المتفوقة؟ ما دور إدارات العلاقات العامة في مؤسساتنا التعليمية إذا لم ترصد إنجازات أبنائها؟ هل دورها يقتصرعلى النفي وتجديد اشتراكات الصحف؟
أحزن عندما أتصفح موقع جامعة استراثكلايد وأرى اهتمامها البالغ بهبة في حين لا أرى شيئا عنها في موقع جامعتها الأم سوى معلومات عامة تشير إلى ارتباطها بكلية الصيدلة

إن العلماء الذي نالوا نوبل وغيرها من الجوائز المرموقة، حصلوا عليها بفضل الرعاية التي وجدوها من جامعاتهم ومراكز أبحاثهم مما ساعدهم على تجاوز العديد من العقبات التي واجهتهم خلال عملهم الدؤوب للوصول إلى نتائج تخدم البشرية. نتساءل دوما: لماذا لم يحصل أي من باحثينا على نوبل بعد؟ ونغفل تجاهلنا لهم، الذي جعلهم ييأسون ويقنطون ولا يفوزون

ليست هناك مؤامرة علينا. نحن من نتآمر على أنفسنا. بابتعادنا عن دعم أبنائنا سواء كان معنويا أو ماديا. وهبة أكبر مثال على ذلك. فمن يعرفها في وطننا غير أسرتها وزميلاتها؟ لا أحد.
إن هبة للأسف ليست نجمة بمقاييسنا. مقاييسنا التي نفصلها على اللاعبين والممثلين والممثلات وأنصاف الموهوبين فقط دون غيرهم

ثمة ألم يجتاحني عندما أرى ممثلة متواضعة تحظى بقدر عارم من اهتمامنا مقابل تجاهل تام لباحثين نذروا حياتهم وصرفوا جل وقتهم في مختبراتهم

أسلوبنا العقيم الذي نتعامل به مع باحثينا الجادين يكرس تقهقرنا في المجال العلمي. المباني لا تصنع إنجازات. الإنسان من يصنعها.

هبة، لا تحتاج إلى أسطول من المقالات تمجد إنجازاتها. إنها تحتاج إلى دعم أكبر من جامعتها وكليتها ومجتمعها لتحرز انتصارا جديدا يرفع اسم وطننا عاليا في المحافل الدولية. المحافل الدولية التي أعنيها ليست ملاعب كرة القدم التي اختطفت اهتمامنا وشغلتنا. أقصد المحافل الدولية التي تزخر بالعلماء والباحثين الذين كرسوا حياتهم لخدمة العلم والعالم. ليست هبة وحدها من يحتاج هذه الرعاية. آلاف من الباحثين الواعدين في وطننا بحاجة لذلك.

دول أقل منا إمكانات وحجما وتأثيرا نجحت في التواجد في القائمة الذهبية لهذه الجائزة العظيمة، في حين فشلنا من الاقتراب منها. كل نتيجة عظيمة تتطلب تخطيطا عظيما وجهدا عظيما في سبيلها.

نحن ننفق الملايين ونقيم أضخم المعسكرات ونغدق على اللاعبين الصغير منهم والكبير في سبيل التأهل لكأس العالم. لكن أليس من الأجدر أن تكون لدينا كذلك برامج وميزانية خاصة للفوز بنوبل وشقيقاتها من الجوائز العالمية. حتى لو لم ننل نوبل، سنكسب باحثين وأبحاثا. الخسارة ليست في عدم الفوز، بل في عدم التخطيط من أجله.

يزعجني أن أرى لاعبا دون إنجازات يملك قصرا وشاليه وسيارة رياضية بينما بعض باحثينا المتميزين يقطنون شققا بالإيجار وحياة آيلة للانهيار.

الباحث أمام خيارين: إما أن ترعاه وتؤمّن له حياة كريمة لينكب على أبحاثه ويخلص لها، أو يترك أبحاثه ويبحث عن حياة كريمة بعيدا عن مختبره. في وطننا اختار الكثير من الباحثين الخيار الثاني. فكلنا سنعيش حياة واحدة. ولا نرغب في إهدارها جوعا وفقرا وحسرة.
أثق أن هذه الحسرة لن تدوم. وأن هبة ستتوصل إلى فتح طبي ملهم. لكن ذلك لن يتم إلا إذا التفتنا لها وزملائها ولو قليلا.

باحثونا (هبة) من الله. فهل هكذا نتعامل مع هداياه؟

24 أبريل، 2011

لن أُصوت في انتخابات المجلس البلدي


ليس لكسل، فأنا شاركت وانتخبت في الدورة السابقة. استخرجت بطاقة كالشُطار وذهبت يوم الاقتراع. وسأستخرج بطاقة ناخب هذه المرة أيضاً. لأنه من الممكن أن يجد جديد وأقرر التصويت. كما أن استخراج بطاقة يعطي لصوتي قيمة ولو لم أدلي به.

و ليس لأني لن أجد مرشح يقدم لي ما يبرر أن ادعمه. مع أن الأغلب إما يقدم كلام نظري عام لا ينطبق والصلاحيات المحدودة للمجلس. أو أنه تقريباً تقريباً تكاد ترى على جبينه حروف عندما تجمعها ستقرأ : أنا نصّاب كبير.

لكن هناك سببين قد يمنعاني من التصويت هذه المرة:

أنا يا جماعة انتمي لاثنينية تتكون من بعض زملاء عمل سابقين (لقاء عشاء في الشهر ورحلة سفر مرة كل سنتين لشرم أو دبي أو ينبع أو رحلة صيد بالبوت). في اختيار منسق للمجموعة فكرت في الموضوع والمصلحة العامة للشلة. مع أن كل ما في الموضوع هو حجز طاولة في النخيل أو جمع قطّة القارب! فكيف تريدني أن أساهم في انتخابات وأنا عارف أنه مجلس لن يحرك شعرة (مصبوغة) من شعر رأس أصغرها مسئول في البلدية.

أنا لليوم لا اعرف أي شئ مفيد قامت به “البشكة” لمجلس جدة من الذين رشحت وقد فاز منهم 6. أحس إحساس بنت الثانوي اللي ضحك عليها ولد مُلعَب. لليوم لا أحد من الستة “الخاينين الوحشين القاسيين الشريرين اللي ما أحبهم” اتصل بي!

هذا المجلس يجب أن يكون ذا سلطة. رقيباً حسيباً على البلديات. ترتعد فرائسهم منه. مستقبلهم المهني واعتماد خططهم وموازناتهم بيد المجلس بشكل كبير. مجلس يراقب المشاريع. يحل ويربط. وهذا قطعاً….قطعاً لن يكون. لأن دوره فقط هو نقاش المعلومات وإبداء الرأيأي أن يذهب ليلعب “تلفون خربان” ويتسلى عليه الآخرون. وهو ما نقوم به كلنا أصلاً في مجالسنا. لا احتاج أن أرشح أحد ليذهب ويدردش بالنيابة عني.

السبب الثاني هو عدم مشاركة النساء. وليس بحجة المساواة. وإلا لكان من المفروض عندها أن لا أقود السيارة ولا أراجع الدوائر بدون محرم تضامناً مع المرأة. لكن عدم مشاركة المرأة في هذا الموضوع تحديداً صعبة. صعبة علي أن أقبلها. خلينا نقول انني هنا رسمت خط أحمر.

أنا مثلا ساكن بجوار والدتي واثنين من خالاتي. كِلا أزواج خالاتي عملهم يقتضي الترحال. ووالدي متقاعد يعمل لحسابه الخاص من البيت وتمر عليه الأيام لا يخرج الا للمسجد والنادي. أما أنا فأدور في ساقية البيت والشغل (و الحج الأسبوعي للرد سي مول). سرحاناً شارداً في هذه الشوارع أجدول الأعمال والاجتماعات وما سأكتب هنا طوال مشوار السيارة. يمكن أن تأتيني لحظة استوعب فيها أني فتحت وأغلقت عليّ إشارة الأندلس 6 مرات لكني سرعان ما أغرق في السرحان ثانية.

أما من يعاني ليجد موقف سيارة عند محلات مستلزمات حفلات الأطفال في الهنداوية، ومن يتميز غيظاً من حاويات القمامة المكسورة عندما يمر بجوارها كل صباح، ومن يتجنب الدعس على سيل البيارات أمام محلات القماش والكلف، ومن يسهر مع الأولاد عند السخونة خوفاً من أن تكون قرصة الناموسة تلك هي من حاملات حمى الضنك، ومن يتعذب في دفع عربات كبار السن على بلاط الكورنيش المخلوع، ومن يكره من صميم قلبه عامل النظافة المكلف بنظافة شارعهم غير عالم أن هذا هو حال الكل، ومن يلعب كل سنة بطولة فيلم “المطرة والأولاد والمدرسة” (و قد تم إعادة عرض الفيلم في الرياض والشرقية تحت اسم “الغبرة والأولاد والمدرسة”). من يمر بكل هذا هو ليس أبي وأنا وأزواج خالاتي. ولكنهن أمي وزوجتي وخالاتي. وهن عينة من شريحة ضخمة من النساء هن الأعلم والأخبر بحال واحتياجات هذه البلد. فاحتراماً لهم لن أصوت. لن أفتي ومالك (أو مَلَكَ في هذه الحالة) في المدينة.  ولا أعتقد أن هذا وضع خاص بي. لكن الكثير من الأسر ينطبق عليهم ما ذكرت أعلاه.

سأستخرج بطاقة. لكن شكلها كده….لن أصوت. ألطُم ممكن. لكن لن “أصوت”. غطيني وصوِت” أنت. ما راح أسمِعك “صوتي”. حأنقطكم “بسُكاتي” ولن أُصوِت. سمع “هسسسسس”. الصو….. أظن وصلت خلاص.

23 أبريل، 2011

عبادة الأشخاص


يقول المثل: "من تكلم في الأفكار كان رائعاً وحلق مع الغمام نقياً، ومن تحدث في الأشخاص تورط وجلب لنفسه العداوة أو رفع البشر إلى مقام الألوهية كما فعلت الكنيسة مع (المعلم) يسوع عيسى بن مريم عليه السلام. ومن تكلم في الأشياء كان سخيفاً وتافهاً وانكمش دماغه في مربعات الأشياء".

ولكن ماذا نفعل حين نرى الأقنية الفضائية تنفخ في الفرد فيتحول إلى جبل نتروني؟ باعتباره (القائد الفذ) و(العبقري الملهم) و(عملاق التاريخ)

كما وصف ستالين يوماً أنه "أهم فلولوجي، وأنجح اقتصادي، وأكبر مؤرخ، ورائد الإنسانية العبقري، وأعظم قائد عسكري في جميع الأزمنة والأمم، وزعيم الطبقة العمالية في كل مكان، وملهم الإنسانية التقدمي، والزعيم المعصوم، وأكبر عبقرية عرفتها الإنسانية"!.

إن قريبا من هذا الكلام تكرر في بعض المجالس الشعبية في جمهوريات عربية حين انبرى متحمس ليصف رئيسه بأنه يستحق أن يكون قائد البشرية، قالها وهو يكذب، ومن حوله يعلمون جميعا أنه يكذب، ومع ذلك فهناك نوع من التواطؤ على هذا الكذب المكشوف، وهو أمر يدخل في مجال علم النفس الاجتماعي حين يعبد البشر بعضهم بعضا من دون الله.

ولكن ماذا نفعل إذا كان الأفراد هم الذين يصنعون التاريخ مثل هتلر وستالين وروزفلت وترومان ولورنس البريطاني وتيمورلنك، إلى درجة أن وضع الفلكي الأمريكي (مايكل هاردت) كتابا بعنوان (الخالدون المئة) قال فيه إنه وضع الجيدين مقابل شرار خلق الله، باعتبار أثرهم العالمي.

وجنكيزخان مثلا ترك بصمته على الحضارة أكثر من قورش، وعبدالناصر قاد العرب إلى كارثة حزيران في الوقت الذي خرجت الجماهير تبكي وتطالب بأن يبقى على ظهرها إلى يوم القيامة مثل الفرعون سيتي وبيبي الرابع! بل وتتشكل أحزاب تحمل اسمه عبودية له وتيمنا بهزيمته

وحسب تقسيم المفكر الجزائري (مالك بن نبي) في كتابه (مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي) فإنه يرى أن هناك تطورا طبيعيا في رقي الإنسان بين (ثلاثة) عوالم؛ فينمو طبقا عن طبق من عالم (الأشياء) إلى عالم (الأشخاص) إلى (عالم الأفكار)؛ فالطفل لا يفرق في مطلع حياته بين زجاجة الحليب وثدي أمه، بل لا يعرف يده من العصا، ويقبض على الجمرة مثل الجوهرة، ثم يدخل عالم (الأشخاص) فيفرق بين أمه وأبيه وصاحبته وأخيه. ثم يدخل عالم الأفكار ويصبح تجريديا فيتعلم آدم الأسماء كلها

وقد انتبه لهذا عالم النفس السويسري الارتقائي (جان بياجييه) كما جاء في كتاب (الشيفرة الكونية The Cosmic Code) لمؤلفه (هاينتس بيجلز Heinz.R.Pagels) أن الطفل لا يفرق في عمر السابعة بين المستوى والحجم؛ فكميات الماء في دورق أو أنبوب أو برميل عنده سواء طالما كانوا في مستوى واحد

ويشابه في هذا المجتمع في الانتقال من دور (الوثنية) إلى دور (الأبطال) لينتهي بدور (الفكرة). وحيث تشع الفكرة تذوب أصنام الشمع. وحين تغيب شمس الفكرة يبزغ الصنم. سنة الله في خلقه

في رمضان من عام 1425 مات الشيخ (زايد بن سلطان) حاكم الإمارات. مات بدون ضجة كبيرة كما ترسو السفينة على الشاطئ بعد رحلة طويلة، بدون عداوات شخصية. مات وودع في جنازة رسمية بسيطة بدون تماثيل شاهقة ونصب مرفوعة، أو زحف مليوني كما حدث في جنازة عبدالناصر ووداع الفرعون بيبي الثاني

وحينما تعبد الأمة الأشخاص إلى هذه الدرجة فقد تودع منها. والفرق بين الوثنية والتوحيد هو في استبدال الذات الإلهية بالذات البشرية الفانية. وفي القرآن جاء ذكر (ود وسواع ويغوث ويعوق ونسر) إنهم بشر حوّلهم البشر إلى ما فوق البشر فعبدوهم فضلوا وأضلوا كثيرا.

20 أبريل، 2011

مسرحية الإنتخابات البلدية

منذ أول إنتخابات بلدية في السعودية لم أشارك فيها بالتصويت، لأنني أعتبرت وقتها (ومازلت) أن الإنتخابات البلدية مجرد مسرحية تسخر من المواطن السعودي وحقوقه، لذا لم أقبل حينها أن أكون مجرد كومبارس في هذه المسرحية ضمن شو ديموقراطي زائف لأجل المشاهد الغربي، مع شديد إحترامي وتقديري للمرشحين والناخبين.
المشاركة في أية إنتخابات إذا لم تأتي في إطار حق دستوري وقانوني يحميه قضاء مستقل، فهي أشبه بالأعطية والمكرمة، إن شاء القرار السياسي منحه للمواطن وإن شاء حرمه منه، مثل ما حدث في تلك الإنتخابات التي عطلت لفترة بقرار لا يعلم المواطن أسبابه ولا مبرراته قبل أن يمنح هذا الحق المشوه والمنقوص للمواطن مرة أخرى، يمنح كأعطية من الدولة عندما قررت ذلك، كما قررت تعطيله.
فضلاً عن إنتخاب النصف، ومحدودية الصلاحيات، وعدم توفر حد أدني من بيئة عمل جاد وفاعل لهؤلاء الأعضاء ولا تتوفر لهم حماية دستورية وقضائية للممارسة مهامهم بحرية، بل يعملون ضمن منظومة بيروقراطية حكومية قادرة في كثير من حالتها على إستيعابهم وجعلهم ضمن منظومتها المترهلة الغارقة في الفساد والمصالح الضيقة.
كما قرر نظام المجالس البلدية في مادته الرابعة أن الوزير هو المرجع الإداري للمجلس وهكذا في المادة السادسة عشر، الفقرتين أ و ب أن الخلافات والتظلمات ترفع للوزير ويعتبر قراره نهائي، رغم أن البلديات تتبع له أساساً فكيف يكون هو القاضي في حال حدوث خلافات، والمجالس البلدية يفترض أنها تمثل المواطن فكيف يكون الوزير هو المرجع لا القضاء؟.
ماذا فعلت تلك المجالس في تجربتها الأولى تجاه قضايا الفساد وتعطل وبطء تنفيذ المشاريع، بل ماذا فعل المجلس البلدي لمدينة جدة التي تعرضت للغرق مرتين؟.
كما أنني لن أشارك بالتصويت في هذه الإنتخابات حتى لا أمارس إصطفاف إلى جانب تسلط ذكوري يقصي المرأة ويهمشها رغم أن المجالس البلدية تشبه أصنام قريش لا تضر ولا تنفع.

19 أبريل، 2011

السلبيون في تويتر


من نعم العصر أن رزقنا الله بهذا الحائط الإنترنتي الجميل المسمى بـ:"تويتر"، والذي يعني العصفور المغرد، وقد أحسن معظم السعوديين استخدامه، مع أنه موقع بلا مشرفين على الألفاظ ولا على الكلمات النابية. وإذا كان المثل العربي القديم يقول:"كل إناءٍ بما فيه ينضح"، فإنني أقول عن التويتريين:"كل مغرّد تنضح تغريداته بتربيته وتراكمه وتحضره". ولحسن الحظ أن ما يبث في تويتر يعتبر مشرفاً في غالبه، وقد عرض الشباب والفتيات العرب، والخليجيون والسعوديون بخاصة واجهةً جميلةً عن المجتمع. لكنني فقط سأعرض نموذجين للاستخدام التويتري، ما بين استخدام إيجابي، و آخر سلبي! 

ظاهرة الحسابات الوهمية. وهو استخفاف للدم بشكل مبالغ فيه، واستغلال يقع تحت مظلة التعدي والإجرام. بالأمس نفى مصدر مسؤول بوزارة الداخلية وجود حساب للنائب الثاني وزير الداخليةالأمير نايف بن عبد العزيز. وقال إنه لا صحة لما روج له من وجود موقع على الفيس بوك خاص بالأمير نايف. أما عن الحساب الوهمي للأمير نايف في تويتر فقد نفاه المصدر، بل أكد على أن لا موقع للأمير على الإنترنت بعامة. كذلك حصل مع تأسيس حسابٍ وهمي للفنان: ناصر القصبي، وهو حساب قالت زوجته الكاتبة: بدرية البشر، أنه لا يمت للقصبي بصلة. 

أما النموذج الإيجابي فهو النجاح الأخير لشباب تويتر بجمع الأب محمد الرجيب بابنه، بعد أن غاب عن البيت منذ ثمانية عشر يوماً، "الوطن" في تغطيتها بالأمس ذكرت أن بداية هذه الحملة كانت:"حين افتتح المدون عبدالله العساف رابطا مرجعيا "هاش تاج" باسم المفقود ليكون نقطة تجمع إلكترونية، فيما تطورت حملة البحث لتصل إلى إلصاق مناشير ورقية في المواقع العامة بغية الوصول إلى المسن المفقود"! لقد تحول الشباب إلى خلايا عمل تطوعية، وكونوا غرفة عمليات للتواصل، ومسحوا مناطق الرياض، بحثاً عن المسن المفقود، لأيام، حتى تحققت النتيجة الإيجابية بحمد الله ثم بفضل هؤلاء الشباب الذين يدعونك للفخر بهم، والاعتزاز بأخلاقياتهم وبذلهم وأصالتهم.

بين هذين النموذجين، النموذج السلبي والإيجابي، نموذج التفاهة والتزييف للحسابات وانتحال شخصيات الآخرين، ونموذج إيجابي حين يكون الناس فاعلين مدنياً، ينشرون ما يفيد المجتمع، وحين انطفأت الكهرباء قبل أمس ليلاً بعد أن اقترب موعد مباراة "ريال مدريد وبرشلونة" انتفض مجتمع تويتر ليخبر الناس بسبب الانفصال وموعد رجوع الكهرباء والأحياء التي شملها انطفاء الكهرباء، وذلك بالتأكيد قبل أن يصرح أي مسؤول في شركة الكهرباء، على أننا يجب أن نقدر للرئيس التنفيذي للشركة اعتذاره عن الانقطاع، فالاعتذار ثقافة يجب علينا أن نشيعها عند المسؤول قبل المواطن العادي. 

هذا هو مجتمع تويتر الذي نحبه .... إنهم التويتريون الإيجابيون!

18 أبريل، 2011

المكارثية وشماعة الاستهداف في السعودية

جوزيف ريموند مكارثي (14 نوفمبر 1908 – 2 مايو 1957) نائب جمهوري بالكونغرس الأمريكي من ولاية ويسكنسن في الفترة ما بين عام 1947 إلى عام 1957. مع بدايات عام 1950 أصبح مكارثي من أشهر الشخصيات العامة في فترة بلغت فيها شكوك المعادين للشيوعية أوجها لتأثرهم بالتوترات الناتجة عن الحرب الباردة وقد ذاعت شهرته نتيجة ادعائه بدون دليل أن هناك عدد كبير من الشيوعيين والجواسيس السوفيت والمتعاطفين معهم داخل الحكومة الفيدرالية الأمريكية وفي النهاية أدى نهجه إلى ضعف مصداقيته وتعنيفه رسمياً بواسطة مجلس الشيوخ الأمريكي. ظهر مصطلح المكارثية عام 1950 في إشارة إلى ممارسات مكارثي وتم استخدام هذا المصطلح بعد ذلك للتعبير عن الإرهاب الثقافي الموجة ضد المثقفين.
الخوف”، بهذه الكلمة الواحدة لخص هارولد ايفانز رئيس التحرير السابق لجريدة “تايمز” البريطانية  فترة المكارثية في أميركا. وقال ايفانز ان جوزيف مكارثي “اخاف الاميركيين خوفا حقيقيا. لا يصدق الاميركيون اليوم، بعد خمسين سنة، كيف اخافهم مكارثي”.
حملة الخوف” التي قادها مكارثي استمرت خمس سنوات (1950ـ1955) بسبب ما اسماه “الخطر الشيوعي” على اميركا، ظلت آثارها حاضرة على المشهد السياسي والثقافي الأمريكي لأطول كثيرا من 5 سنوات، فهي دفعت العشرات من المثقفين والفنانين والكتاب الاميركيين الى الهجرة او الانزواء بعيدا عن خطر الاعتقال، ذلك ان حملة مكارثي خلطت بين الخطر الحقيقي (الاتحاد السوفيتي و مدرسته الشيوعية) وبين اليساريين والليبراليين والنقابيين الذين يريدون اصلاح ظروف العمل في اميركا، وتقليل الفوارق بين الطبقات، وتحسين الاوضاع الاجتماعية والاقتصادية.
وجود العمالة والخيانة والعمل الاستخباراتي في أي بلد من بلدان العالم طوال التاريخ الحديث للبشرية هو أمر لا ينكره عاقل. تعتبر مرحلة الحرب الباردة (1947–1991) من أبرز المراحل البشرية التي نما فيها العمل الاستخباراتي على المستوى الدولي وتطور بشكل سريع وواسع. الباحثون والمهتمون بهذا الشأن قتلوه بحثاً وتمحيصاً ودراسةً وأنتجوا العديد من المقالات والأبحاث والدراسات والكتب والبرامج والأفلام التوثيقية والسينمائية. يعتبر جوزيف مكارثي متطفل كارثي على هذا المجال عندما مارس التهويل والتحقيق والمتابعة بنفسه وحرض الشعب معه وهو رجل سياسة وليس رجل أمن متخصص. لو كُتب لمكارثي النجاح واستمر في مشروعه سنوات أخرى، واستسلم له خصومه، وصمت من ظنوا أنه لم يقصدهم، لدمر بلده الولايات المتحدة الأمريكية ولما تسيدت العالم بعد ذلك.
جوزيف مكارثي كان يوحي للجميع بأنه ينطلق من منطلق خوفه على المجتمع الأمريكي ولكنه في الحقيقة كان يسعى لترسيخ حزبه الجمهوري في الكونجرس لسنوات طويلة والعمل على الوصول إلى البيت الأبيض الذي كان في يد خصومه الديمقراطيين في وقتها.
مؤخراً قرأنا وسمعنا وشاهدنا بعض المكارثيين السعوديين يحترفون التخوين والترهيب لكل من يطالب بالإصلاح السياسي وكأننا نرى جوزيف مكارثي وقد انبعث من قبره من جديد! يكرر هؤلاء المكارثيين أن وطننا السعودي هو وطن مستهدف! وبالتالي على الجميع الصمت والتوحد على رؤية وموقف انتقوه لنا بوصاية عجيبة!
السؤال الصحيح والمنطقي هو: هل هناك بلد غير مستهدف؟
جميع البلدان والمجتمعات مستهدفة من قبل بلدان ومجتمعات أخرى أو مستهدفه من داخلها. بعض أشكال الاستهداف والحروب تشمل :
الاستهداف الأمني والصريح والمباشر : كما في حالة الحروب أو الإرهاب (السودان، إيران، العراق، اليمن، لبنان، فلسطين، السويد، أمريكا، اندونيسيا، كوريا الشمالية والجنوبية، دول أفريقية كثيرة،..)
الاستهداف الإقتصادي : مثلما يحصل في حالة التنافس الشديد بين دول الإتحاد الأوروبي من ناحية، وبينها وبين أمريكا والصين من ناحية أخرى، وبين الصين وأمريكا كذلك. التنافس الشديد بين منتجي النفط في أوبك مع بعضهم البعض من ناحية، وبينهم وبين الدول المستهلكة.
الاستهداف والتنافس المحموم بين اليابان والصين وماليزيا وتايوان وسنغافورة..
الاستهداف على موارد المياه : مثلما هو الحال بين مصر والسودان ودول أفريقية، وتركيا والعراق وسوريا،..
الاستهداف الإعلامي : فكما أن هناك قناة الحرّة الأمريكية، يوجد هناك قناة روسيا اليوم بالعربية، وقناة الصين الإخبارية بالعربية، وقناة فرانس 24 بالعربية، وقناة بي بي سي بالعربية، وقناة دويتش فيليه الألمانية بالعربية. ولكن يوجد كذلك قناة CNN بالإسبانية والصينية واليابانية والتركية، وقناة فرانس 24 بالإنجليزية، وقناة روسيا اليوم بالإنجليزية والإسبانية، أما قناة دويتشه فيله فتبث بثلاثين لغة عالمية. ونحن لدينا قنوات إسلامية بالإنجليزية تدعم من قبل تجار ورجال أعمال سعوديين تستهدف شعوب البلاد الأخرى كبريطانيا وأمريكا. ولدينا مؤتمرات دعوية وفكرية إسلامية تقام في الدول الغربية والشرقية لغزو المجتمعات الأخرى فكرياً. العالم أصبح قرية صغيرة والقنوات ووسائل الإعلام أدوات قوية لا تتوانى كل دولة تحترم ذاتها وترى لديها طموح مشروع في أن تستغلها وتستخدمها كأداة للوصول لأهدافها.
هذا التنافس الشديد والاستهداف لم يمنع المجتمعات الواعية من الاقرار بالتعددية الفكرية والسياسية داخلها واعتمادها كثابت من ثوابت أوطانها حتى في أشد المحن :
لم يقم علي عزت بيجوفتش في وسط سعير حرب التحرير البوسنوية بتقييد الإعلام والصحف البوسنوية، ولم يقم بتكبيل أفواه منتقديه من سياسيين ومثقفين وكتّاب على الرغم من هجومهم الشديد عليه وإتهامهم له بأنه قائد فاشل في وسط أتون المعركة.
ولم تقم كوريا الجنوبية بتعطيل الحياة السياسية والأحزاب والمجتمع المدني وتكميم الأفواه وتخوين المعارضين وإجبار الجميع على وحدة فكرية موهومة بحجة الخطر الدائم المحدق من جارتهم كوريا الشمالية.
ولم يقم الكيان الصهيوني بإلغاء الحياة السياسية الديمقراطية (يهودياً) والأحزاب والمؤسسات بحجة أنهم مستهدفين من قبل العرب! منذ أن قام الكيان الصهيوني وهو مستهدف ومع ذلك استطاع أن يحقق تقدم علمي مرموق بين العالم!
ولولا الإرهاب الذي ضرب عدداً من الدول لما أجبر بعض حكوماتها على عمل بعض التغييرات والسياسات لمقاومة الإرهاب وتسبب ذلك في التنازل عن بعض حريات أفراد بعض المجتمعات.
أما دول مثل كوريا الشمالية والصين وإيران وسوريا ومصر وتونس (قبل الثورات) فهي تقوم بشبه تعطيل الحياة السياسية وتقليص سقف حرية التعبير ومحاولة إجبار الناس على وحدة مزعومة بحجة الخطر الدائم المحدق. في هذه البلدان يقمع أي صوت غير صوت الأغلبية أو من يعتقد أنه الأغلبية بسبب سطوته القاهرة.
أما عندنا، فكلما فُتح الحوار حول ملف الإصلاح السياسي وقدمت المطالبات، نجد الحجة والشماعة التي أمامنا هي أن الوضع حرج ووطننا مستهدف. منذ أن ولدنا ونحن نسمع هذه الحجة. الحالة الوحيدة التي سينتهي الاستهداف لنا هي عندما تصعد جميع شعوب العالم لكواكب أخرى ونبقى نحن وحيدين هنا على سطح هذا الكوكب!
أي دولة تتلكأ وتقاوم الدخول في عملية إصلاح سياسي بشكل جدي وملموس بحجة أنها مستهدفه، هي تعترف بشكل غير مباشر بأنها لا تثق في مواطنيها ومجتمعها، وفي نفس الوقت هي دولة تعترف بشكل غير مباشر أنها تخاف، وفي عالم اليوم لا مكان للدول الخائفة المترددة.
أما المكارثيين الجماجمة عندنا فسيلعنهم التاريخ كما يُلعن جوزيف مكارثي وهو في قبره اليوم..