25 يناير 2011

عربة اسمها الرغبة

(29)
عربة اسمها الرغبة
وقف الكاتب المسرحي الأمريكي "تينيسي وليامز" بكل فخر أثناء العرض الأول لمسرحيته "عربة اسمها الرغبة" في العام 1947م، وقال: "العالم ليس مليئا بالطيبين والأشرار، بل هو ما نصنعه بطريقة تعاملنا مع الآخرين". وفتح بذلك الباب للمجتمع الأمريكي المنغلق في الخمسينات ليخرج من وحدته وعزلته، ليعيش مصيره مع العالم ومع الحداثة في السنين القادمة.
وكما أطلقت عربة تينيسي وليامز العنان لخيال الأمريكيين ليبحثوا لهم عن مكان متقدم بين دول العالم، كذلك فعل فنجان القهوة الذي تحمله رجاء بين يديها. فقد كانت تمارس عادتها اليومية في قراءة فناجين ابنتيها، بينما كانوا ثلاثتهم مسافرين في عطلتهم الصيفية على متن "قطار الشرق السريع" المنطلق من باريس. فلازال هذا القطار التاريخي الشهير يقوم برحلته من أقاصي الغرب الأوروبي نحو عاصمة الشرق القديمة اسطنبول، تكون في مرة واحدة فقط كل عام، ولا يحمل من الركاب إلا قلة منتقاة من أثرياء العالم. وعندما يصلون في آخر المطاف إلى ضفاف البوسفور، يكون التاريخ قد عاد بهم قرن من الزمان، حيث يلتقيهم رجال يرتدون الطرابيش والملابس التركية التقليدية. وهي تجربة لا تنسى كما يقول عنها كل من جربها.
وبينما كانت رجاء تتأمل فنجان ابنتها الكبيرة، سرحت قليلا عبر نافذة القطار لتشاهد الريف الفرنسي الجميل، الذي تغطيه شبكة متكاملة من القطارات المنتشرة في جميع أطراف البلاد الأوروبية، تلك الشبكة التي تشكل عصب الحياة والتنمية في قلب هذه البلاد. وللحظة فكرت لو كانت هذه القطارات موجودة في أراضينا العربية، لوفرت الكثير من التواصل بين الناس، ولأنقذت الكثير من الأروح التي أزهقتها طرقنا المتهالكة. فكرت رجاء في نفسها أن شبكة القطارات ربما تكون أحد العلامات التي يمكن أن نقيس بها معيار التقدم لأي مجتمع.
عادت رجاء بوعيها إلى المقطورة بين ابنتيها، وعادت تنظر للفنجان عساها تلمح رؤية عن ابنتها وأيامها القادمة. وفي لحظة غمرها شعور عارم بالسعادة، ظهرت لها صورة ابنتها وقد تخرجت من أحد الجامعات البريطانية العريقة، تحمل بين يديها شهادتها العلمية بكل فخر واعتزاز، وتحمل في سمات وجهها ابتسامة صادقة وجميلة. لكنها حاولت أن تدقق في ملامح ابنتها أكثر في هذه الرؤية، لأنها كانت مختلفة نوعا ما. فقد كانت مكتملة الملامح الأنثوية لكنها في نفس الوقت لا تضع أي مكياج على وجهها. كما أنها أحست بشعور قوي أن ابنتها صارت أكثر سعادة وثقة بنفسها.
وفجأة التقت عينيها بعيني الفتاة في الرؤية، وصارت تلك الفتاة تحدثها بكلمات من دون أن تحرك شفتيها، وصارت تسمعها تقول: ٍ"إن الحياة في هذه البلاد أخرجتني من الشعور الدائم بالنقص، وجعلتني أشعر بأني انسانة جديرة بالاحترام، ولست بحاجة لمساحيق صناعية لتجعلني اثق بنفسي. كما أني ابشرك يا أمي بأني محافظة على عاداتي وديني رغم كل ما يحيطني من مغريات، لأن الجميع هنا يفكرون ويختارون ويعتقدون بدون اكراه أو توجيه. لقد استطعت هنا أن اكتشف نفسي وذاتي، وأن يكون لي رؤية حقيقة للحياة وما تحملها من معاني. أنا هنا استطيع أن أكون نفسي بلا حدود".
شعرت رجاء بسعادة وفخر كبيرين، واستبشرت بهذه الرؤية التي ستكون نصرا لها على بقية الامهات السعوديات اللاتي يتفاخرن بابنائهم وبناتهم المتعلمين في الخارج، ويزاحمنها في وجاهة المجالس والصالونات الاجتماعية.
وفي لحظة سريعة فتحت احدى ابنتيها نافذة القاطرة لتستمع بهواء الريف المنعش، فدخلت نسمة هواء باردة كادت أن تبعد صورة تلك الرؤية عن فنجان رجاء. لكنها استطاعت أن ترى مشهدا أخيرا حيث تدير تلك الفتاة التي تشبه ابنتها ظهرها لتخرج مع اصحابها. ثم تنظر مرة أخرى لرجاء وتقول لها بكلمات باسمة: "نسيت أن أقول لك شيء اخير يا أمي. أنا سأبقى هنا ولن أعود".

ليست هناك تعليقات: