28 ديسمبر، 2010

قنديل أم هاشم

(25)
قنديل أم هاشم
في أحد المرات القليلة التي التقيت فيها بـ"طاهر" كانت عندما أتانا كضيف شرف في إحدى الأمسيات الشهرية التي نقيمها بمنزلنا، نجمع فيها الأصدقاء والأصحاب لمناقشة كتاب يختاره أحدنا، ونقضي تلك الليلة في معرفة المزيد عن أسرار الكتاب ومؤلفه. كان طاهر يحمل في يده كتابا صغيرا، رفعه أمام وجهه وهو يحييني بإبتسامة جميلة وطريفة وهو يقول: "أحضرت لكم اليوم كتابي المفضل، وأعدكم أنكم ستجدون بين صفحاته الكثير من المتعة والأسرار الشيقة".
أمسكت الكتاب ونظرت إلى غلافه القديم وقرأت عنوانه على عجالة "قنديل أم هاشم" لمؤلفه "يحيى حقي". قلبت الكتاب فبدت صورة المؤلف أمامي، وكم ادهشني الشبه الكبير بين "طاهر" وبين هذا الرجل الظاهر في الصورة. ووجدت نفسي استغرق في النظر إلى صورة رجل قصير القامة، له وجه ذو ملامح طفولية سمحة، وردي البشرة، ذو رأس كبير وجبهة عريضة، وفم لا تفارقه البسمة الخجولة الغامضة، ويحمل في عينيه ذلك البريق الذي صرت أعرفه وأعرف أصحابه الحائرين بين الحياء وبين الدهاء.
بمجرد أن أخذ كل منا مقعده، انطلق طاهر يحكي بحماس قصة الكتاب التي تروي حكاية "اسماعيل" ابن الريف البسيط الذي سافر إلى انجلترا طلبا لدراسة الطب. وكما هو حال العديد من المبتعثين العرب الذين فاجأتهم الهوة الشاسعة بين واقعهم العربي المتأخر والتطور الذي وصلت إليه البلدان الأوروبية، وقع اسماعيل ضحية تاريخه المليء بالتعاليم البسيطة والخوف، أمام شوارع لندن التي يحكمها العقل والعلم وبحر من الحرية الجارفة لكل من لم ينشأ وسطها.
وبعد فترة من الضياع في ليالي سوهو الحمراء، استطاعت زميلة اسماعيل في الدراسة، وهي فتاة انجليزية اسمها "ماري"، أن تريه الجانب الآخر من الحضارة الأوروبية، وعرفته على قوة التاريخ في المتحف، وجمال الموسيقى الأوبرالية، وقوة العقل المنتشرة في مكتبات المدينة، وسيرة الانسان المرسومة في المسارح ودور العرض. لكنها لم تنس أيضا أن تقول له أن الانسان الأوروبي لم يحقق كل ذلك إلا بعد أن تخلى عن خرافة اسمها الدين وتمسك بالحقيقة المسماة بالعلم.
عندما رجع اسماعيل إلى وطنه بعد سنوات من الغربة، عاد طبيبا متخصصا في علاج العيون، لكنه وجد نفسه غريبا عن مجتمعه الذي لا زال يمارس الطب عبر العطارين والدراويش وبركات قبور الصالحين. وصار يجد نفسه كل يوم في صراع يقوده شعور "الغضب الثوري للتغيير" بين علمه الحديث وبين واقع قومه المتردي، حتى وصل لمرحلة خسر فيها القدرة على التواصل مع كل من حوله، حتى أنه قد تسبب بعلمه باصابة ابنة عمه "فاطمة" بالعمى. وأكتشف أنه يعيش على أرض لا يرى فيها إلا كل ما هو قبيح ومتخلف ومرفوض .
نظر طاهر إلى جميع الموجودين من حوله يستقرئ متابعتهم لسرده أحداث القصة، وترقبهم لكيفية تعامل اسماعيل مع هذا الواقع الذي قاده لحالة من اليأس والشعور بالفشل، لكن طاهر بدلا من أن يكمل القصة تبسم للجميع وقال لهم: "أعذروني، ولكني سأترك بقية الحكاية لتقرأوها عبر كلمات يحيى حقي العبقرية، فهي حقا تستحق من يطلع عليها حتى لو كانت كتبت في العام 1940م".
رسم طاهر على شفتيه ابتسامة خجولة أخرى ذكرتني بالرجل خلف غلاف الكتاب، وقال بصوت خفيف واثق: "إن الزمن الذي نعيشه الآن في مجتمعنا السعودي شبيه جدا لما وضعه يحيى حقي في كتابه قبل سبعين عاما، وما أحوجنا لشخصيات مثل اسماعيل لتنير لنا الطريق. وما أحوجنا أيضا لنعيد التعرف على هذه الأرض التي احتوتنا وأكرمتنا واعطتنا من خيراتها، رغم أن معضمنا لم يقدم لها إلا نكران الجميل".

هناك تعليق واحد:

master يقول...

ان اختلاف الرأى لايفسد للود قضيه .. ما اجمل الاختيار وما اروعها من قصة .ولكن ! هل تعتقدايها الطاهر ان مجتمعنا السعودى يعيش الان بنفس اسلوب الحياة التى عاشها الكتاب فى مجتمعه الريفى ؟ اعذرنى ايها الطاهر , فقد ظلمت مجتمعنا السعودى بقولك هذا . فنحن نعيش نقله علميه وتطورا ثقافيا واضحا فى جميع المجالات
الطبيه والصناعيه وحتى الفكرية .ان اوروبا لم تصلح على ماهى عليه الان فى يوم وليلة. بل اخذت سنوات طوال , ولا ارانا الا ماضون نحو التقدم بسرعة جعلت الغرب يلتفتون الينا, ومع ذلك نحن متمسكون بدينناوشرعنا , ام لابد ان نتخلى عن تلك الخرافه التى تسمى بالدين حتى نكونمثقفون و متقدمون؟؟؟؟.