21 ديسمبر، 2010

قصور وأشباح فوق الرمال

(24)
قصور وأشباح فوق الرمال
عندما كان الكاتب التشيكي "فرانز كافكا" يبتكر حكايات أحلامه المرعبة في شكل قصص وروايات قصيرة، لم يعرف أنه يخلق بذلك صناعة جديدة في الأدب المكتوب تناولت الخوف الإنساني كأداة مؤثرة في الجماهير. وعندما أدرك كافكا هذا الأثر "الكابوسي" لكتاباته، طلب من صديقه المقرب "ماكس برود" أن يتلف كل ما كتبه بعد وفاته. لكنه عندما توفي في العام 1924م لم يستجب صديقه لطلبه، ونشرها ليقرأها الناس وتتحول إلى علامة مميزة في التاريخ الانساني.
لم أتخيل عندما وضعت طاهر في قائمة دراستي للمهاجرين أني سأدخل فيما يشبه أحد تلك الأحلام الكافكوية المليئة بالرعب والخوف. وحين طلبت من حسام أن يسأل هذا المهاجر المخضرم الذي عاش قصة طويلة خارج أرضه ثم عاد إليها، عن أهم فرق كان يشعر به بين الأماكن، وصلتني الإجابة (وقد كانت سريعة كما وصفها حسام) بأنه كان "اختفاء الشعور بالخوف، والاحساس المتنامي بتقدير الذات".
ما فهمته من حديث طاهر لحسام أن المجتمعات الانسانية عندما تغمرها سنوات النسيان الحضاري، كما حل بنا في القرون الأخيرة التي تلت ضعف وإنهيار الامبراطورية العثمانية، تصير ميالة لاتباع أقصر وأسرع الطرق للحصول على النتائج. وقد تجلى ذلك في المجتمع السعودي عندما صارت الغالبية تمارس نوعا من التربية والتوجيه الاجتماعي القائم على قيادة الآخر إما بالتخويف أو الاحساس المتزايد بتأنيب الضمير. وصار هذا السلوك هو العرف في التعامل المتبع سواء في البيت مع النساء والأطفال، أو في المدرسة مع الطلاب، أو في تعامل المسئولين مع قضايا المجتمع المختلفة.
المشكلة الأكبر أن هذا النوع من السلوك الاجتماعي القائم على الترهيب والتلاعب بالمشاعر يخلق شخصية متبلدة وغير قادرة على المبادرة، وتكون معتادة على هذا الشكل السلبي من التوجيه لتستمر في التفاعل، مما يخلق قناعة شعبية بأن المجتمع السعودي لا يمكن أن يسير إلا بهذه الأدوات المعززة للخوف. فتتحول العملية إلى دائرة لا يمكن الخروج منها بين التأثير الفعال للعنف النفسي وبين خلق هذا العنف لمجتمع لا يسير بغير التعنيف.
عندما عاد طاهر إلى مدينة الرياض، شهد كثيرا من التحولات التي عاشها المجتمع السعودي، خاصة في البناء العمراني الحديث الذي غطى رمال الصحراء المنتشرة في كل مكان. لكن هذه المباني الجديدة لم تستطع أن تمنع رمال الماضي من التسلل إلى القصور والبيوت والمباني الاسمنتية حاملة معها جزءا من روح التنازع والتناحر القبلي والمذهبي التي كانت تسود اطراف الجزيرة العربية قبل توحيدها في دولة عصرية واحدة. كما أنها (وذلك الأهم) لم تستطع أن توفر الأمان "النفسي" بين جدرانها لساكنيها.
وفي ليل تلك الكوابيس والصور المرعبة لواقع اجتماعي أصبح كثير من الناس يشكك في قدرته على التغير والتطور، تذكرت أن طاهر قد عاد رغم معرفته بكل هذه التحديات! وأنه لم يترك بلاد المهجر ويتوجه عائدا إلى بلده إلا وهو مدرك أنه يستطيع أن يضيف شيئا من النور لتلك الصورة القاتمة. وعندما نقلت له هذ الفكرة عبر حسام، لم استغرب أن أتلقى اجابة منه مثل هذه: "لست الوحيد الذي عاد يا رحيل. بل عادت معي كثير من علامات الحضارة الجديدة. لقد عدت وأنا أحمل القنديل".

ليست هناك تعليقات: