24 أكتوبر، 2010

لو ضربت صاعقة الربع الخالي


الموسيقار الألماني بيتهوفن اعتزل الناس في آخر حياته وتوقف عن الإبداع لوقت طويل قبل وفاته عام 1827 .. وحين بدأ الناس ينسونه واعتقد البعض أنه توفي فعلا خرج عليهم بأعظم قطعة موسيقية عزفت على وجه الأرض (السيمفونية التاسعة).

وحين انتهى من عزفها لأول مرة على المسرح وكان معطياً ظهره للجمهور مواجها الأوركسترا ظل واقفا مكانه حتى نبهه أحد العازفين لإدارة وجهه للجمهور ورؤية تصفيقهم الحاد. فبيتهوفن كان مصابا بالصمم الكامل لم يسمع أبداً هذه المعزوفة ولم يدرك أن جنبات المسرح ضجت بالتصفيق وصرخات الإعجاب!!

وكان بإمكاني الاستشهاد بهذا الموقف الجميل كمثال على قوة العزيمة والتغلب على الصعاب، غير أنني اليوم سأستخدمه بطريقة أخرى مختلفة . تخيل لو أن جميع الحاضرين كانوا مصابين بالصمم مثل بيتهوفن (بما في ذلك الجمهور نفسه) فهل يعني هذا أن صوت التصفيق غير موجود؟

بكلام آخر .. هل الصوت لا يصبح صوتا إلا حين يتمكن أحد من سماعه؟ وحين يسمع أحدهم صوتا خفيا (لا يسمعه بقية الناس) هل يعني هذا أنه ساهم في خلقه وبعثه للوجود؟ وماذا لو ضربت صاعقة منطقة نائية في الربع الخالي (ولم يسمعها أحد) فهل يعنى هذا أن الرعد لم يصاحبها؟ وماذا لو انفجر بركان كبير في جزيرة معزولة هل يعني هذا أنه (تفجر) بدون صوت؟

 وهذا أيها السادة عن حاسة السمع.. فماذا عن حاسة البصر والشم: ماذا لو تفتحت وردة في بيت عائلة مصابة بعمى الألوان فهل تبقى (غير ملونة)؟ وماذا لو أصيب أفراد هذه العائلة بزكام حاد (ولم يستطع أحد شم الوردة) فهل يعني هذا أن رائحتها غير موجودة؟

قد تبدو هذه الأسئلة بدهية أو فلسفية أو حتى ساذجة؛ ولكن من خلالها نستطيع استخلاص أسئلة بالغة الأهمية بخصوص ماهية الإدراك وطبيعة الوجود: فهل تشارك حواسنا في خلق الأشياء أم تكتفي برصد إدراكها فقط؟ وهل كل ما نتخيله (دون أن نراه فعلا) يكون متواجدا بالفعل في مكان ما؟ وحين نكتشف معادلة كيميائية أو نخترع آلة إلكترونية أو ننظم قطعة شعرية، فهل يعني هذا أننا (خلقناها من العدم) أم أنها كانت موجودة منذ الأزل (في مكان خفي) بانتظار من يكتشفها ويظهرها للناس؟

الجواب بدون شك نسبي مثل نظرية أنشتاين النسبية ويعتمد على نظرتك للأمور وموقعك من الحدث.. ولكن ؛ بالنسبة لي على الأقل يعتمد إدراكنا لوجود الأشياء حولنا على توفر ثلاثة عناصر أساسية: المصدر ذاته (كآلة الكمان والوردة الحمراء) والوسيط (كتموجات الصوت وأطياف الضوء) وحاسة تستقبل المصدر وتدرك وجوده (كأذن تسمع الكمان، وعين تميز الألوان).. وفي حال اختفاء أيّ من هذه العناصر يصعب إدراك وجود "الشيء" وسيختفي بالنسبة إليك كشاهد ومتلق.

وعدم توفر العنصر الأخير بالذات (الحاسة والإدراك) هو ما يجعلنا كبشر عاجزين عن إدراك أشياء كثيرة تدور حولنا كالجن والشياطين والأصوات الخفية والأطياف الضوئية والمحتويات اللاسلكية... بل وحتى رسائل الجوال التي تخترق جسدك ليل نهار!!

 من أجل هذا كله لا يجب أن تجعل من (عقلك وأحاسيسك) مرجعك الأساسي في الحكم وإدراك الوجود وطبيعة الأشياء.. فنحن ببساطة لا ندرك (ولا نستطيع التفكير) إلا بأجزاء محدودة مما يجري حولنا لصعوبة اجتماع العناصر الثلاثة السابقة فيها.

وبطبيعة الحال يزداد الوضع سوءاً حين يختار البعض تعطيل حواسهم المحدودة أصلا وترك مهمة التفكير لغيرهم دون نقد أو مراجعة !

ليست هناك تعليقات: