19 أكتوبر 2010

الحلم الأمريكي

(15)
الحلم الأمريكي
عندما أراد الرئيس الأمريكي الرابع والأربعون باراك أوباما أن يلخص رؤيته للريادة الأمريكية للعالم، قال في أحد حملاته الانتخابية: "لدينا أكبر جيش في العالم، وهذا ليس سر قوتنا، ولدينا أضخم اقتصاد في العالم، وهذا ليس سر ثرائنا، ولدينا جامعات وثقافة نحسد عليها، ولكن ما يميزنا ويجذب إلينا هو الحلم الأمريكي".
لم أسمع من وحيد منذ ذهابه لأمريكا طوال عام. وعندما هاتفني بعد هذه الفترة كان يتحدث من أحد شوارع العاصمة واشنطن؛ تلك المدينة التي تدار سياسات العالم وسط دهاليزها، والتي يقال أن من بناها كانوا جماعة من "الماسونيين" الذين حلموا بمستقبل جديد للإنسانية أو بمجد خاص لهم. وهي المدينة الأمريكية الوحيدة التي شهدت مشاركة شخصية لرئيس أمريكي في معركة حربية  للمرة الأولى والأخيرة، وكان ذلك الرئيس هو أبراهام لينكولن أثناء الحرب الأهلية.
كان يحادثني وهو يقف في طابور طويل في انتظار فنجان قهوة من بائع أثيوبي متجول، يقف بعربته وسط شارع "إم ستريت" أحد أجمل معالم واشنطون. وكنت أسمع نبرات الفرح في صوته وهو يخبرني أن الجميع يحتاج للوقوف لمدة عشرين دقيقة للحصول على كأس صغير من القهوة التي يعدها ذلك البائع الأثيوبي العجوز، الذي أصبح علامة مميزة في صباح تلك العاصمة العالمية.
كان أكثر ما يقلقني في انتقال وحيد إلى أمريكا هو ما نسمعه كل يوم من تعرض العرب والمسلمين للإساءة المتكررة بعد تلك الأحداث المجنونة التي أصبح العالم يعرفها بأحداث الحادي عشر من سبتمبر. وكعادة وحيد وجدته ينظر إلى الموضوع بشكل مختلف وجديد. فهو لم يكن قلقا من سوء المعاملة هنا أبدا، بل أن العديد من زملائه في العمل وجيرانه كانوا يعبرون له عن تضامنهم معه عندما يعلمون أنه من أصول سعودية، وبعضهم يتصل للاطمئنان عليه بمجرد سماعهم لأي أحداث عنصرية في أمريكا. وقد رسم بسمة على وجهي عندما قال أنه كان يعامل بعنصرية أكثر عندما كان في السعودية!
ولكن الأمر الذي ما زال يحيره منذ حدوث تلك الفاجعة الإنسانية، هو الطاقة الخلاقة والمبدعة والشجاعة التي كانت تملكها تلك المجموعة من الشباب الانتحاريين. فقد كان بإمكانهم تحويل هذا الجهد المهدر في الإرهاب إلى عمل سياسي واجتماعي يحقق الكثير من الإنجازات للأهداف التي يسعون لتحقيقها، لكن يبدو أنهم قد وصلوا إلى مرحلة متقدمة من الإحباط والتضليل ليقوموا بذلك العمل اليائس.
بدا لي وحيد أنه قد غاص في ذلك الحلم الأمريكي الجميل وانطلق بكتابه مجده وتاريخه الذي سيكون مميزا بتميز شخصيته الحالمة الطموحة. لكن ما كان ينغص هذه الصورة في عيني أنه لن يشارك هذا الحلم مع من بقي من أولائك الشبيبة "المحبطين والمضللين". كما أني كل ما تمعنت في ذلك الحلم وجدته يتكرر ولكن بلغات وبلدان مختلفة؛ فمن عاش في البلدان الفرانكفونية (دول المستعمرة الفرنسية سابقا) يحلمون بالحياة في باريس؛ ومن عاش في دول الكومنولث (دول المستعمرة الإنجليزية سابقا) يطلبون العمل في لندن؛ حتى التابعون لحلم الاتحاد السوفيتي السابق كان طموحهم الوصول إلى موسكو إلى وقت قريب. فهل يختلف الحالمون الجدد عن البقية؟!
كما أني في حالة وحيد خاصة، قررت أن أبتعد حتى لا أعيد قصة الأديبة العربية الكبيرة "مي زيادة"، التي ظلت تراسل الشاعر "جبران خليل جبران"، حيث كانت تعيش في القاهرة وهو يبعد عنها ألاف الكيلومترات في نيويورك، وقد تخلدت ذكرياتهما في الرسائل التي يكتبانها لبعضهما طوال ربع قرن من الزمان، لم يلتقيا فيها ولا مرة واحدة. وقد يكون أفضل ما في تجربتي مع وحيد أنها أوصلتني لما يمكن أن أسميه في حياتي بـ"نصفي الآخر".

ليست هناك تعليقات: