26 أكتوبر، 2010

سعودي قيكس

(16)
سعودي قيكس
لكل منا نظرته الخاصة للزواج والارتباط بشريك الحياة، ولكن رؤيتي أنا في هذا الموضوع كانت تحمل صورة تميل إلى التطرف بعض الشيء. فقد أقسمت على نفسي أن لا أرتبط بإنسان إلا بعد أن أتأكد أنه الشخص المناسب لي، حتى لو كان مصيري أن أقضي بقية أيامي وحيدة.
وقد كانت أحد الحسنات الكبيرة التي حصلت من معرفتي بوحيد أنه لم يغادر إلى أمريكا إلا بعد أن جعلني أتعرف على مجموعته الساحرة من الأصدقاء "الإلكترونيين"، الذين يجمع بينهم عشقهم الكبير للتقنية، والرغبة الحثيثة للوصول لكل ما هو جديد وغريب في العالم الافتراضي الحديث. ولم اندهش عندما قال لي أنهم يسمون أنفسهم "سعودي قيكس".
والـ"قيكس" هي لفظة عالمية تطلق عادة على أشخاص يقضون جل وقتهم واهتمامهم بالأمور المتعلقة بالحاسب الآلي، ولكنها تحمل أيضا إيحاءات جانبيه بأن صاحبها فاشل في حياته الاجتماعية ولا يتمتع بمظهر مقبول بين الناس. لكن يبدو أن هذه المجموعة من الشباب والشابات السعوديين لم تسمع بهذا التعريف الكامل للكلمة، فقد أصابوني بحالة من الانبهار عندما شاركت في أحد تجمعاتهم، حيث حضر معظمهم مرتديا أحدث الصرعات في عالم الموضة الغربية، والبعض منهم كان يستقل دراجات "الهارلي" ذات الصوت المجلجل. ولكي تكون الصورة كاملة وصادقة، فقد كان من بينهم من يرتدي الملابس التقليدية، وآخرين تظهر عليهم علامات الالتزام والمحافظة، ولكنهم جميعا يشتركون في ذلك البريق الخاص الذي أراه في عيونهم، والذي يقول وبقوة: "نحن قادمون من زمن آخر".
كان الجميع في حركة دائمة وحديث مستمر مع بعضهم البعض، فتجدهم قد تشكلوا في جماعات وحلقات وانطلق أحدهم يشرح عن جهاز جديد أو انبعاث لأحد المشاريع الإلكترونية الحديثة. ترددت أمامي كلمات "الفيسبوك" و"التويتر" و"الشبكات الاجتماعية" و"المدونات" و"الأيفون" و"البلاكبيري"، والتي لم أكن غريبة عنها. ولكنهم هنا يتحدثون عنها بعاطفة وحماس تشعرك أنها تشغل جزء كبير من حياتهم اليومية، إن لم تكن هي حياتهم فعلا!
من بين تلك المجموعات، جذبني تجمع صغير وهادئ نسبيا. وعندما اقتربت منهم تبينت من حديثهم أنهم يتناقشون في كيفية التحضير لحملة إلكترونية سيقيمونها لمناصرة شابة سعودية قضت أكثر من ستة شهور في السجن دون محاكمة، ولم يكن جرمها إلا أنها قد رفعت دعوة على أبيها الذي يرفض تزويجها طمعا في ما تحصل عليه من راتب، واشتراطه لمبالغ كبيرة كمهر لها على كل من يتقدم لخطبتها، فقرر القاضي الذي ينظر الحالة أنها عاقة لوالديها وأنه ينبغي تأديبها برميها في السجن.
استثارتني تلك المجموعة بجرأتها في الحديث عن الحقوق العامة، ومعرفتها بتفاصيل القضاء والأحكام السعودية، وكيف أن كل فرد منهم يعرف دوره جيدا. ولم يأخذ الموضوع منهم إلا لحظات حتى انطلقوا (وهم في أماكنهم) ينشرون الخبر عبر الإنترنت، ويطالبون بحرية الفتاة لدى المسئولين، والصحافة المحلية والعالمية، ومؤسسات حقوق الإنسان، وحقوقيين ورجال أعمال بارزين في البلد. وبكل سهولة وانسيابية رأيت أمامي مظاهرة تتشكل وتنطلق رغم أن القانون السعودي يمنع المظاهرات، لكن ربما سيغض الطرف عن هذه المظاهرة لأنها "افتراضية"!
وفي وسط هذه المعمعة الإلكترونية، رأيته جالسا بين رفاقه يبتسم ويبارك للآخرين ببداية مسعاهم في هذا العمل الإنساني. وربما منذ ذلك اليوم قد كتب لي أن لا أعيش وحيدة بعد أن تعرفت على "حسام".

ليست هناك تعليقات: