31 أكتوبر، 2010

ما بين ( آمر ) و ( ساهر ) فرق


عرضت إدارة الإقامة وشؤون الأجانب في دبي على هامش معرض «جيتكس» في دبي، أمس، سيارة «آمر» لإنجاز خدمات المتعاملين في نطاق الإمارة، وفقاً لرئيس قسم التخطيط ومتابعة المشروعات في قطاع الخدمات الإلكترونية، ومدير مشروع «آمر» الملازم ماجد سعيد الموسى، الذي وصفها بـ«الإدارة الحكومية الصغيرة المتنقلة».

وفي حضور صاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، الذي تجول أمس في «معرض جيتكس للتقنية 2010»، أطلق مدير إدارة الإقامة وشؤون الأجانب في دبي اللواء محمد المري السيارة بخدماتها الجديدة، التي «تعبر عن رؤية مختلفة لتطوير الخدمات الحكومية، ورفدها بأساليب جديدة، تواكب التطورات التقنية الحديثة»، وفقاً لحاضرين في المعرض.

وأوضح الموسى لـ«الإمارات اليوم»، أن «الخدمة التي تقدمها السيارة تهدف إلى الوصول إلى المتعاملين في أي مكان يوجدون فيه داخل حدود إمارة دبي، لإتمام معاملاتهم بواسطتها»، ذلك أنها «مزودة بأحدث وسائل التقنية الحديثة، ويعمل فيها موظف شامل ينجز مختلف المعاملات من أذونات دخول بأنواعها، وإنجاز إقامات العمل وإلغائها، إضافة إلى استخراج بطاقة بوابة الإمارات الإلكترونية».

وشرح الموسى أن السيارة تعمل بحسب الطلب، قائلاً: «بمجرد الاتصال على رقم هاتف خدمة (آمر) وهو 8005111 سيتم انتقال السيارة إلى المكان المطلوب، ليلتقي موظفوها مع المتعامل المتصل بداخلها لإنجاز طلبه، ذلك أنها تحتوي على أجهزة كمبيوتر، وأية مستلزمات أو أختام لازمة لإنجاز المعاملات، كما لو كان الأمر في أي من فروع إدارة الإقامة وشؤون الأجانب في دبي».

وبحسب الموسى، فإن «السيارة تخدم جميع فئات المجتمع، وتم تخصيص مكان للمعاقين وكبار السن، وللشركات الكبرى التي تحوي أكثر من 400 موظف»، لافتاً إلى أنه «سيتم مستقبلاً تخصيص أكثر من سيارة مماثلة، كما أن السيارة ستتوقف في المراكز التجارية في الإمارة في عطلة نهاية الأسبوع لإنجاز المعاملات».

30 أكتوبر، 2010

الملاحقة القانونية للطلاب المبتعثين الساعين للإقامة الدائمة في الخارج


وجهت وزارة التعليم العالي ملحقياتها في الخارج بالتعاقد مع مكاتب قانونية لملاحقة المبتعثين السعوديين الساعين للبقاء في دول الابتعاث بهدف الحصول على الجنسية أو رخصة الإقامة الدائمة هناك.

ودعت الوزارة إلى مباشرة خطوات عاجلة ضد الراغبين في عدم العودة إلى الديار، من بينها إيقاف المكافآت عنهم، واسترداد المكافآت المصروفة لهم منذ بداية الابتعاث

وأكدت الوزارة ورود معلومات تفيد بـ «تقدم فئة من الطلاب للحصول على الجنسية ورخصة الإقامة في بلد الابتعاث»، وشددت على الملحقيات التعليمية بضرورة إبلاغها أولا بأول عند رصد حالة خروج عن النظام، مع ذكر الإجراء المتخذ من قبل الملحق.

يشار إلى أن برنامج خادم الحرمين الشريفين للابتعاث الخارجي بدأ قبل خمسة أعوام، واستفاد منه نحو 82 ألف طالبة وطالب في مختلف التخصصات.

27 أكتوبر، 2010

رسالة سمر بدوي من خلف القضبان إلى أحرار العالم


إلى من جعل الله له سلطاناً علي في الدنيا.. إني هنا كما تريدون.. أسجن بلا جرم..

والدي (وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان). قف يا والدي.. أرجوك ثانيةً واحدةً فقط.. أخبرهم أن يدي ما إمتدت إليك يوماً إلا بالخير والعطاء.. والدي أنا فلذة كبدك.. لقد وأدتني وأنا حية بلا ذنب.. فلما جعلتني أفارق الحياة وقلبي ما زال ينبض حزناً وألماً.. رباه إني هنا على سرير من حديد تتساقط أدمعي رغماً عني..

أيها الحديد عذراً لإقتحامك رغم قوتك.. ولكني سأبعث أصداء صوت يشتكي فراق أم لإبنها.. إبني حبيبي (البراء) آهات أرددها ودموع مزقت أحشائي.. أين أنت يا بهجة حياتي لقد كان العيد بدونك مأتماً.. لقد أتشحت أيامي بالسواد لفقدك يا أعز الناس.. صغيري ثمة بريق نور ولابد أن نلتقي يوماً.. ولينتقم الله لي من….. ظلمني وظلمك معي..

أنا لست ورقة تنسى ولا كتاب يهمل.. أنا هنا.. أنا بشر.. ينبض بالحياة.. ذنبه أنه لم يرضى ولم يخضع للظلم.. وجرمه أنه رفض الرضوخ لسلطة الإستبداد.. وسلب المرأة حقوقها.. أنتم تعلمون وهم يعلمون يقيناً أني لست مخطئةً ومذنبة.. أمهلتكم.. فتركتوني وتناسيتموني.. عفواً أعذروني.. آن الآوان أن يسمع الأحرار صوتي..

كلمة شكر أكتب كل حرف فيها بتحية وإمتنان.. لكل من شاركني الإحساس فأنتم بعد الله عز وجل سبب صبري وتجلدي.. أنتم يا من طالبتم بحريتي وتفاعلتم مع قضيتي.. لن أوفيكم حقكم ما حييت فأنتم صوت الوطن الحر.. الرافضين للظلم تواقين للعدل شباباً وشابات كتبوا عني في الانترنت دفاعاً ونصرة.. شكراً لكم فلقد هانت علي الستة أشهر التي قضيتها في السجن لحد الآن..

سيدي وأميري الفاضل خالد الفيصل.. نبأ لي أنك قد أنصفتني فأصدرت إمارتكم تقريراً يثبت الظلم الذي وقع علي.. كما أمرت بإحالتي إلى دار الحماية الإجتماعية.. وأنا لم أزل في إنتظار تطبيق أمركم.. ولكم مني هنا من سجني وافر الشكر والعرفان..

وأخيراً اللهم لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك.. اللهم لك الحمد.. فرغم قسوة ما عانيت إلا أني قد أيقنت أنك ناصر المظلومين ولو بعد حين.. لك الحمد يا الله أن سخرت لي أناساً لا يعرفونني فيدافعون عني إلهي فلا تكلني إلى  نفسي فكن معي فأنت نعم الناصر ونعم المعين..

من وراء القضبان في سجن بريمان بجدة
سمر محمد بدوي

26 أكتوبر، 2010

سعودي قيكس

(16)
سعودي قيكس
لكل منا نظرته الخاصة للزواج والارتباط بشريك الحياة، ولكن رؤيتي أنا في هذا الموضوع كانت تحمل صورة تميل إلى التطرف بعض الشيء. فقد أقسمت على نفسي أن لا أرتبط بإنسان إلا بعد أن أتأكد أنه الشخص المناسب لي، حتى لو كان مصيري أن أقضي بقية أيامي وحيدة.
وقد كانت أحد الحسنات الكبيرة التي حصلت من معرفتي بوحيد أنه لم يغادر إلى أمريكا إلا بعد أن جعلني أتعرف على مجموعته الساحرة من الأصدقاء "الإلكترونيين"، الذين يجمع بينهم عشقهم الكبير للتقنية، والرغبة الحثيثة للوصول لكل ما هو جديد وغريب في العالم الافتراضي الحديث. ولم اندهش عندما قال لي أنهم يسمون أنفسهم "سعودي قيكس".
والـ"قيكس" هي لفظة عالمية تطلق عادة على أشخاص يقضون جل وقتهم واهتمامهم بالأمور المتعلقة بالحاسب الآلي، ولكنها تحمل أيضا إيحاءات جانبيه بأن صاحبها فاشل في حياته الاجتماعية ولا يتمتع بمظهر مقبول بين الناس. لكن يبدو أن هذه المجموعة من الشباب والشابات السعوديين لم تسمع بهذا التعريف الكامل للكلمة، فقد أصابوني بحالة من الانبهار عندما شاركت في أحد تجمعاتهم، حيث حضر معظمهم مرتديا أحدث الصرعات في عالم الموضة الغربية، والبعض منهم كان يستقل دراجات "الهارلي" ذات الصوت المجلجل. ولكي تكون الصورة كاملة وصادقة، فقد كان من بينهم من يرتدي الملابس التقليدية، وآخرين تظهر عليهم علامات الالتزام والمحافظة، ولكنهم جميعا يشتركون في ذلك البريق الخاص الذي أراه في عيونهم، والذي يقول وبقوة: "نحن قادمون من زمن آخر".
كان الجميع في حركة دائمة وحديث مستمر مع بعضهم البعض، فتجدهم قد تشكلوا في جماعات وحلقات وانطلق أحدهم يشرح عن جهاز جديد أو انبعاث لأحد المشاريع الإلكترونية الحديثة. ترددت أمامي كلمات "الفيسبوك" و"التويتر" و"الشبكات الاجتماعية" و"المدونات" و"الأيفون" و"البلاكبيري"، والتي لم أكن غريبة عنها. ولكنهم هنا يتحدثون عنها بعاطفة وحماس تشعرك أنها تشغل جزء كبير من حياتهم اليومية، إن لم تكن هي حياتهم فعلا!
من بين تلك المجموعات، جذبني تجمع صغير وهادئ نسبيا. وعندما اقتربت منهم تبينت من حديثهم أنهم يتناقشون في كيفية التحضير لحملة إلكترونية سيقيمونها لمناصرة شابة سعودية قضت أكثر من ستة شهور في السجن دون محاكمة، ولم يكن جرمها إلا أنها قد رفعت دعوة على أبيها الذي يرفض تزويجها طمعا في ما تحصل عليه من راتب، واشتراطه لمبالغ كبيرة كمهر لها على كل من يتقدم لخطبتها، فقرر القاضي الذي ينظر الحالة أنها عاقة لوالديها وأنه ينبغي تأديبها برميها في السجن.
استثارتني تلك المجموعة بجرأتها في الحديث عن الحقوق العامة، ومعرفتها بتفاصيل القضاء والأحكام السعودية، وكيف أن كل فرد منهم يعرف دوره جيدا. ولم يأخذ الموضوع منهم إلا لحظات حتى انطلقوا (وهم في أماكنهم) ينشرون الخبر عبر الإنترنت، ويطالبون بحرية الفتاة لدى المسئولين، والصحافة المحلية والعالمية، ومؤسسات حقوق الإنسان، وحقوقيين ورجال أعمال بارزين في البلد. وبكل سهولة وانسيابية رأيت أمامي مظاهرة تتشكل وتنطلق رغم أن القانون السعودي يمنع المظاهرات، لكن ربما سيغض الطرف عن هذه المظاهرة لأنها "افتراضية"!
وفي وسط هذه المعمعة الإلكترونية، رأيته جالسا بين رفاقه يبتسم ويبارك للآخرين ببداية مسعاهم في هذا العمل الإنساني. وربما منذ ذلك اليوم قد كتب لي أن لا أعيش وحيدة بعد أن تعرفت على "حسام".

25 أكتوبر، 2010

مقص الرقيب يطال بلا رقيب


أعربت الناشطة السعودية البارزة وجيهة الحويدر عن أسفها لتحكم السلطات السعودية فيما تبثه قناة (LBC) وذلك بعد منع حلقة برنامج "بلا رقيب" الذي تقدمه الإعلامية وفاء الكيلاني، كان من المقرر إذاعتها يوم الأحد. وقالت الحويدر في لقاء خاص بـ"آفاق" إن مقص الرقابة السعودي الصارم قد وصل لـ(بلا رقيب) وقطعه.

وذكرت الحويدر أن القناة لم تخبرها بإلالغاء ولم تقدم لها إي اعتذار على عدم بث الحلقة التي كانت عن مسيرة الحويدر في النضال من أجل حقوق المرأة في السعودية والقوانين القمعية التي تفرضها السلطات على المطالبين بالإصلاح واحترام حقوق الإنسان.

وناقشت الحلقة الحملة التي أطلقتها الحويدر من أجل تعطيل قانون المحرم السعودي، وتطرقت لحملة السماح للمرأة بقيادة السيارة، وعرضت فيلما تصويريا سجلته الحويدر أثناء قيادتها سيارة في السعودية.

وقالت الحويدر "يبدو لي أن برنامج (بدرون رقابة) وصله مقص الرقابة السعودي الصارم وقطعه ... للاسف استجبت لدعوتهم وتصورت أنهم على قدر كاف من التحرر من الهيمنة السعودية الاعلامية القمعية".

وأضافت "لقد ظهرت (LBC) على حقيقتها بأنها مجرد قناة مملوكة لسعوديين وأنهم لا يملكون قراراتهم حتى في كيفية تسيير برامجهم".

يذكر أن مصادر مطلعة قد أفادت أن حلقة الحويدر قد تم إيقافها في اللحظات الأخيرة واستبدالها بحلقة إجتماعية أخرى تحمل عنوان "تأجير الأرحام"، الأمر الذي يؤكد أن (LBC) قد تعرضت لضغوط لإيقاف بث الحلقة.

وكانت كيلاني قد أعلنت في لقاء مع مجلة "أنا زهرة" الالكترونية الشهر الماضي أنها بصدد إجراء مقابلة مع وجيهة الحويدر. وقالت ردا على سؤال عن المجتمع الذي تجده أكثر حرية وجرأة في تقبل قضايا "بلا رقابة": لا يوجد شيء اسمه أكثر تحرراً وجرأة. حين تحدثتُ عن الخليج لم أقصد الجرأة، فالجرأة هي جرأة الفكر والرأي وهذا موجود في كل الجنسيات. والدليل أنني أتأهب لمقابلة الناشطة السعودية وجيهة الحويدر التي تتميز بجرأة الفكر والرأي. لا تعجبني كلمة تحرر لكن حرية الفكر تجدينها في كل مكان.

24 أكتوبر، 2010

لو ضربت صاعقة الربع الخالي


الموسيقار الألماني بيتهوفن اعتزل الناس في آخر حياته وتوقف عن الإبداع لوقت طويل قبل وفاته عام 1827 .. وحين بدأ الناس ينسونه واعتقد البعض أنه توفي فعلا خرج عليهم بأعظم قطعة موسيقية عزفت على وجه الأرض (السيمفونية التاسعة).

وحين انتهى من عزفها لأول مرة على المسرح وكان معطياً ظهره للجمهور مواجها الأوركسترا ظل واقفا مكانه حتى نبهه أحد العازفين لإدارة وجهه للجمهور ورؤية تصفيقهم الحاد. فبيتهوفن كان مصابا بالصمم الكامل لم يسمع أبداً هذه المعزوفة ولم يدرك أن جنبات المسرح ضجت بالتصفيق وصرخات الإعجاب!!

وكان بإمكاني الاستشهاد بهذا الموقف الجميل كمثال على قوة العزيمة والتغلب على الصعاب، غير أنني اليوم سأستخدمه بطريقة أخرى مختلفة . تخيل لو أن جميع الحاضرين كانوا مصابين بالصمم مثل بيتهوفن (بما في ذلك الجمهور نفسه) فهل يعني هذا أن صوت التصفيق غير موجود؟

بكلام آخر .. هل الصوت لا يصبح صوتا إلا حين يتمكن أحد من سماعه؟ وحين يسمع أحدهم صوتا خفيا (لا يسمعه بقية الناس) هل يعني هذا أنه ساهم في خلقه وبعثه للوجود؟ وماذا لو ضربت صاعقة منطقة نائية في الربع الخالي (ولم يسمعها أحد) فهل يعنى هذا أن الرعد لم يصاحبها؟ وماذا لو انفجر بركان كبير في جزيرة معزولة هل يعني هذا أنه (تفجر) بدون صوت؟

 وهذا أيها السادة عن حاسة السمع.. فماذا عن حاسة البصر والشم: ماذا لو تفتحت وردة في بيت عائلة مصابة بعمى الألوان فهل تبقى (غير ملونة)؟ وماذا لو أصيب أفراد هذه العائلة بزكام حاد (ولم يستطع أحد شم الوردة) فهل يعني هذا أن رائحتها غير موجودة؟

قد تبدو هذه الأسئلة بدهية أو فلسفية أو حتى ساذجة؛ ولكن من خلالها نستطيع استخلاص أسئلة بالغة الأهمية بخصوص ماهية الإدراك وطبيعة الوجود: فهل تشارك حواسنا في خلق الأشياء أم تكتفي برصد إدراكها فقط؟ وهل كل ما نتخيله (دون أن نراه فعلا) يكون متواجدا بالفعل في مكان ما؟ وحين نكتشف معادلة كيميائية أو نخترع آلة إلكترونية أو ننظم قطعة شعرية، فهل يعني هذا أننا (خلقناها من العدم) أم أنها كانت موجودة منذ الأزل (في مكان خفي) بانتظار من يكتشفها ويظهرها للناس؟

الجواب بدون شك نسبي مثل نظرية أنشتاين النسبية ويعتمد على نظرتك للأمور وموقعك من الحدث.. ولكن ؛ بالنسبة لي على الأقل يعتمد إدراكنا لوجود الأشياء حولنا على توفر ثلاثة عناصر أساسية: المصدر ذاته (كآلة الكمان والوردة الحمراء) والوسيط (كتموجات الصوت وأطياف الضوء) وحاسة تستقبل المصدر وتدرك وجوده (كأذن تسمع الكمان، وعين تميز الألوان).. وفي حال اختفاء أيّ من هذه العناصر يصعب إدراك وجود "الشيء" وسيختفي بالنسبة إليك كشاهد ومتلق.

وعدم توفر العنصر الأخير بالذات (الحاسة والإدراك) هو ما يجعلنا كبشر عاجزين عن إدراك أشياء كثيرة تدور حولنا كالجن والشياطين والأصوات الخفية والأطياف الضوئية والمحتويات اللاسلكية... بل وحتى رسائل الجوال التي تخترق جسدك ليل نهار!!

 من أجل هذا كله لا يجب أن تجعل من (عقلك وأحاسيسك) مرجعك الأساسي في الحكم وإدراك الوجود وطبيعة الأشياء.. فنحن ببساطة لا ندرك (ولا نستطيع التفكير) إلا بأجزاء محدودة مما يجري حولنا لصعوبة اجتماع العناصر الثلاثة السابقة فيها.

وبطبيعة الحال يزداد الوضع سوءاً حين يختار البعض تعطيل حواسهم المحدودة أصلا وترك مهمة التفكير لغيرهم دون نقد أو مراجعة !

23 أكتوبر، 2010

رواية عزازيل ليوسف زيدان


عزازيل رواية تتحدث عن ترجمة مخطوطات قام بها مترجم وهمي لمجموعة لفائف مكتوبة باللغة السريانية، دفنت ضمن صندوق خشبي محكم الإغلاق كُتبت في القرن الخامس الميلادي وعُثر عليها بحالة جيدة ونادرة في منطقة الخرائب الأثرية حول محيط قلعة القديس سمعان العمودي قرب حلب / سوريا، كتبها الراهب هيبا بطلب من عزازيل أي الشيطان حيث كان يقول له:" أكتب يا هيبا، أريدك أن تكتب، اكتب كأنك تعترف، وأكملْ ما كنتَ تحكيه، كله…." وأيضاً " يقول في رده على استفسار هيبا:" نعم يا هيبا، عزازيل الذي يأتيك منك وفيك".

رواية عزازيل لمؤلفها البروفسور يوسف زيدان مدير مركز ومتحف المخطوطات بمكتبة الإسكندرية / مصر، صدرت عن دار الشروق، واحتضنتها مدينة حلب / سوريا بحضور مؤلفها ( الذي يعشق حلب) في ندوة نقدية خلال الشهر الرابع من عام 2008 نظمتها جمعية العاديات بحلب، عندما لم تكن الضجة الكبيرة التي أثيرت عن الرواية عبر وسائل الإعلام المتنوعة قد أوقدت، بحيث نشرت عنها كتبٌ عديدة منها ما صدر ومنها ما سيصدر لاحقاً، وفيها انتقاد ورد على عزازيل وفيها ما هو تبرير وإشادة بالرواية وبجهود صاحبها.

نَظمت حلب عبر مديرية الثقافة فيها ندوة نقدية ثانية عن عزازيل بحضور مؤلفها أيضاً، شارك فيها كل من المطران يوحنا إبراهيم مطران السريان الأرثوذكس بحلب والروائي الناقد نبيل سليمان، والدكتورة شهلا العجيلي أستاذة الأدب العربي بجامعة حلب، وأدارها الباحث محمد قجة رئيس جمعية العاديات بحلب، ومما لا ريب فيه بأن تنظيم حلب لهذه الندوتين هو لأسباب ثقافية كثيرة، منها أنها المنطقة التي تم اكتشاف اللفائف والمخطوطات المدفونة بقربها وأن لغة اللفائف المكتشفة كانت سريانية أي لغة سوريا القديمة، تلك اللفائف التي كتبها الراهب المصري هيبا، وتم العثور عليها ومن ثم ترجمتها بعد أن أوصى مترجمها بعدم نشرها إلا بعد وفاته لما فيها من حقائق مذهلة.

تتحدث الرواية عن فترة حرجة من تاريخ الكنيسة بين القرنين الرابع والخامس للميلاد ( زمن انشقاق كنيستي أنطاكيا والإسكندرية وعقد مجمع أفسس الذي ناقش انشقاق نسطور أسقف القسطنطينية وحرمانه)، وتتألف الرواية من380 صفحة فيها 31 فصلاً (رقاً) ولكل رق عنوان والرق الأخير هو قانون الإيمان المسيحي، وكلمة عزازيل تعني الشيطان بحسب اللغات القديمة، وبحسب ما جاء في الموسوعة الشعرية من كتاب " الباقلاني" لأبي البركات الأنباري (1119-1181م) فإن إبليس وقبل أن يرتكب المعصية كان ملَكاً من الملائكة واسمه عزازيل ولم يكن من الملائكة ملَكٌ أشد منه اجتهاداً ولا أكثر منه علماً".

وتأتي رواية عزازيل كعمل روائي ثاني بعد رواية " ظل الأفعى" التي ناقشت قداسة الأنوثة ودور الأنثى في مراحل مبكرة من التاريخ البشري قبل أن تتحول المجتمعات الإنسانية إلى السلطة الذكورية، أما العمل الثالث الذي يعكف د. زيدان عليه حالياً فهو رواية يمكن أن يكون اسمها " إيل" وتعني الله أو النبطي.

ولدى البحث عن كلمة عزازيل في محركات البحث لغاية اليوم سنحصل على ما يزيد عن أربعين ألف صفحة علماً أن كلمة عزازيل لم تُذكر إلا في كتاب واحد للحلاج واسمه " الطواسين" من أصل فارسي وجمع طاسين ومعناها الأزل والالتباس (لأبو مغيث الحسين بن منصور الحلاج وهو من أهل "البيضاء" بلدة في فارس ونشأ في واسط بالعراق وقتل عام 309 م). وهذا يدل على أن كلمة عزازيل في صفحات الانترنت تشير إلى عزازيل يوسف زيدان الذي توقف منذ شهرين من الرد على الانتقادات والكتابات حولها، رغم أنه ينشر في موقعه الخاص الانتقادات المكتوبة عنه كما ينشر كل ما كتب ايجابياً عن عزازيل.

الشرارة التي أشعلت الحرب على الرواية بعد أشهر من إصدارها هي مقالة كتبها الكاتب المصري المرموق د. يحيى الجمل (وزير سابق) في صحيفة "المصري اليوم" بتاريخ 31/07/2008 عندما كتب في نهاية تلك المقالة الجملة الآتية" ويل لهيبا وليوسف زيدان لو أن المؤسسات الدينية الرسمية قرأت ما خطته يمين كل منهما" ( وربما كان على سبيل المزاح الأدبي). لكنها أشعلت النار وأججتها فأتى بيان الأنبا بيشوي الشهير في الشهر التاسع.

20 أكتوبر، 2010

كم باباً فتحت

  
دون أن أقصد تسببت في جريمة بأمريكا. فلم أفتح الباب لسيدة كبيرة في السن كانت تسير خلفي وأنا أهم بالخروج من باب مجمع تجاري. ارتطمت السيدة بالباب وتعثرت وتبعثرت أغراضها على الأرض دون أن تصاب بأي أذى. لكن خلال محاولتي مساعدتها في جمع أشلاء أكياسها سألني رجل أمن أن أرافقه إلى مكتب الإدارة في المجمع بصوت عال كالذي ينادي به اللصوص. ذهبت معه مرددا في نفسي: "اللهم لا أسألك رد القضاء ولكن أسألك اللطف فيه". وفور أن دخلت المكتب دار بيننا الحوار التالي، والذي بدأه بسؤال فظ: "هل لديك مشاعر؟". أجبته باقتضاب: "بالتأكيد". فرد ووجهه يفيض غضبا: "لماذا إذاً لم تفتح الباب للسيدة التي وراءك؟". رددت عليه قائلا: "لم أرها. فلا أملك عينين في مؤخرة رأسي". فقال وهو يبحث عن قارورة الماء التي أمامه ليطفئ النار التي تشتعل في أعماقه إثر إجابتي التي لم ترق له: "عندما تقود سيارتك يتوجب عليك أن تراقب من هو أمامك ومن خلفك وعن شمالك ويمينك. فمن الأحرى أن تكون أكثر حرصا عندما تقود قدميك في المرة المقبلة". شكرته على النصيحة، فأخلى سبيلي معتذرا عن قسوته، مؤكدا أن تصرفه نابع من واجبه تجاه أي شخص يبدر منه سلوكا يراه غير مناسب.خرجت من مكتبه وأنا أهطل عرقا رغم أن درجة الحرارة كانت تحت الصفر وقتئذ في ولاية يوتاه بغرب أمريكا. كان درسا مهما تعلمته في سنتي الأولى في أمريكا عام 2000. فأصبحت منذ ذلك الحين أفتح الأبواب لمن أمامي وخلفي وعن يميني وشمالي. ومن فرط حرصي أمسكه لمن يلوح طيفه من بعيد في مشهد كوميدي تسيل على إثره الضحكات.

فتح الأبواب في المجمعات التجارية والمستشفيات والجامعات يعد سلوكا حضاريا ويعكس ثقافة تجيدها دول العالم الأول مما جعلها تقطن الصدارة، فيما نقبع في المؤخرة. لا أقصد فقط الأبواب الفعلية التي نعبرها في أماكننا العامة بل أيضا الأبواب الافتراضية التي تقطننا وتشغلنا. في يقظتنا وأحلامنا. باب الوظيفة وباب الترقية وباب الفرصة. هذه الأبواب التي يملك بعضنا مفاتيحها ومقابضها بيد أنها للأسف لا تفتح إلا لمن نحب ونهوى. لمن له منزلة في نفوسنا وقلوبنا، مما أدى إلى ارتطام وسقوط الكثير من الموهوبين، ممن لا حول لهم ولا قوة، أمام هذه الأبواب، متأثرين بجراحهم ومعاناتهم. فأبوابنا موصدة ومغلقة إلا أمام قلة قليلة لهم الحظوة والشفاعة وربما ليس لديهم أدنى الإمكانات للحصول على وظيفة معينة أو فرصة تتطلب مواصفات ومعايير محددة.

في حفل تخرج صديقي من جامعة مانشستر ببريطانيا العام الماضي تأثرت بكلمة الخريجين التي ارتجلها طالب سوداني حصل على درجة الدكتوراه في الهندسة. سحرتني كلمته القصيرة التي قال فيها: "لن أفسد فرحتكم بكلمة طويلة مملة. سأختزلها في جملتين. دكتور جون فرانك، شكرا لأنك فتحت باب مكتبك وعقلك لي. هذا الباب هو الذي جعلني أصعد هذه المنصة اليوم وأزرع حقول الفرح في صدر جدتي مريم".

قطعا، لا يرتبط السوداني صلاح كامل وأستاذه جون فرانك بوشائج قرابة وروابط دم. لكن الأخير آمن بمشروع طالبه فشرع له أبواب طالما اصطدم بها في وطنه وعدد من الدول العربية. يقول صلاح وهو يدفع عربة جدته التي جاءت إلى بريطانيا خصيصا لتتقاسم مع حفيدها الوحيد فرحته بالحصول على الشهادة الكبيرة: "الدكتور فرانك الوحيد الذي أصغى إلي. طفت دولا عربية كثيرة وجامعات عديدة ولم أجد أذنا صاغية".

إن مجتمعاتنا العربية تحفل بالأنانية وحب الذات. فتكاتفنا وتعاوننا وفتح الأبواب لبعضنا البعض سيثمر نجاحا غفيرا. يقول المفكر الفرنسي، لاروشفوكو: "الأنانية كريح الصحراء.. إنها تجفف كل شيء".

ثمة حل واحد يقودنا لإفشاء الإبداع وإشاعة النجاح وهو نكران الذات وإعلاء محبة الإنسان عاليا وتطبيقه في كل معاملاتنا. وليبدأ كل واحد منا بسؤال نفسه قبل أن يخلد إلى النوم: "كم بابا فتحت اليوم". إجاباتنا ستحدد إلى أين نتجه. فماذا ننتظر من مجتمعات مغلقة لا تفتح الأبواب... لاشك أنها تركض وراء السراب؟

19 أكتوبر، 2010

الحلم الأمريكي

(15)
الحلم الأمريكي
عندما أراد الرئيس الأمريكي الرابع والأربعون باراك أوباما أن يلخص رؤيته للريادة الأمريكية للعالم، قال في أحد حملاته الانتخابية: "لدينا أكبر جيش في العالم، وهذا ليس سر قوتنا، ولدينا أضخم اقتصاد في العالم، وهذا ليس سر ثرائنا، ولدينا جامعات وثقافة نحسد عليها، ولكن ما يميزنا ويجذب إلينا هو الحلم الأمريكي".
لم أسمع من وحيد منذ ذهابه لأمريكا طوال عام. وعندما هاتفني بعد هذه الفترة كان يتحدث من أحد شوارع العاصمة واشنطن؛ تلك المدينة التي تدار سياسات العالم وسط دهاليزها، والتي يقال أن من بناها كانوا جماعة من "الماسونيين" الذين حلموا بمستقبل جديد للإنسانية أو بمجد خاص لهم. وهي المدينة الأمريكية الوحيدة التي شهدت مشاركة شخصية لرئيس أمريكي في معركة حربية  للمرة الأولى والأخيرة، وكان ذلك الرئيس هو أبراهام لينكولن أثناء الحرب الأهلية.
كان يحادثني وهو يقف في طابور طويل في انتظار فنجان قهوة من بائع أثيوبي متجول، يقف بعربته وسط شارع "إم ستريت" أحد أجمل معالم واشنطون. وكنت أسمع نبرات الفرح في صوته وهو يخبرني أن الجميع يحتاج للوقوف لمدة عشرين دقيقة للحصول على كأس صغير من القهوة التي يعدها ذلك البائع الأثيوبي العجوز، الذي أصبح علامة مميزة في صباح تلك العاصمة العالمية.
كان أكثر ما يقلقني في انتقال وحيد إلى أمريكا هو ما نسمعه كل يوم من تعرض العرب والمسلمين للإساءة المتكررة بعد تلك الأحداث المجنونة التي أصبح العالم يعرفها بأحداث الحادي عشر من سبتمبر. وكعادة وحيد وجدته ينظر إلى الموضوع بشكل مختلف وجديد. فهو لم يكن قلقا من سوء المعاملة هنا أبدا، بل أن العديد من زملائه في العمل وجيرانه كانوا يعبرون له عن تضامنهم معه عندما يعلمون أنه من أصول سعودية، وبعضهم يتصل للاطمئنان عليه بمجرد سماعهم لأي أحداث عنصرية في أمريكا. وقد رسم بسمة على وجهي عندما قال أنه كان يعامل بعنصرية أكثر عندما كان في السعودية!
ولكن الأمر الذي ما زال يحيره منذ حدوث تلك الفاجعة الإنسانية، هو الطاقة الخلاقة والمبدعة والشجاعة التي كانت تملكها تلك المجموعة من الشباب الانتحاريين. فقد كان بإمكانهم تحويل هذا الجهد المهدر في الإرهاب إلى عمل سياسي واجتماعي يحقق الكثير من الإنجازات للأهداف التي يسعون لتحقيقها، لكن يبدو أنهم قد وصلوا إلى مرحلة متقدمة من الإحباط والتضليل ليقوموا بذلك العمل اليائس.
بدا لي وحيد أنه قد غاص في ذلك الحلم الأمريكي الجميل وانطلق بكتابه مجده وتاريخه الذي سيكون مميزا بتميز شخصيته الحالمة الطموحة. لكن ما كان ينغص هذه الصورة في عيني أنه لن يشارك هذا الحلم مع من بقي من أولائك الشبيبة "المحبطين والمضللين". كما أني كل ما تمعنت في ذلك الحلم وجدته يتكرر ولكن بلغات وبلدان مختلفة؛ فمن عاش في البلدان الفرانكفونية (دول المستعمرة الفرنسية سابقا) يحلمون بالحياة في باريس؛ ومن عاش في دول الكومنولث (دول المستعمرة الإنجليزية سابقا) يطلبون العمل في لندن؛ حتى التابعون لحلم الاتحاد السوفيتي السابق كان طموحهم الوصول إلى موسكو إلى وقت قريب. فهل يختلف الحالمون الجدد عن البقية؟!
كما أني في حالة وحيد خاصة، قررت أن أبتعد حتى لا أعيد قصة الأديبة العربية الكبيرة "مي زيادة"، التي ظلت تراسل الشاعر "جبران خليل جبران"، حيث كانت تعيش في القاهرة وهو يبعد عنها ألاف الكيلومترات في نيويورك، وقد تخلدت ذكرياتهما في الرسائل التي يكتبانها لبعضهما طوال ربع قرن من الزمان، لم يلتقيا فيها ولا مرة واحدة. وقد يكون أفضل ما في تجربتي مع وحيد أنها أوصلتني لما يمكن أن أسميه في حياتي بـ"نصفي الآخر".

18 أكتوبر، 2010

كتاب حتى لا تكون فتنة لغازي القصيبي


أتصفح هذه الأيام كتاب الراحل الدكتور: غازي القصيبي، "حتى لا تكون فتنة"، تأملتُ السجال الذي ساد تلك المرحلة الغريبة والحساسة في تاريخ تشكل التيارات في السعودية. وجدتُ أن كل الأفكار التي كان بعض الدعاة يعارضون القصيبي فيها، وكل الأفكار التي كانت سبب شغبهم عليه، وجدتها موجودة في خطاب أولئك. من كان يحرّم الحوار ويعتبره "مؤامرة علمانية"، صار يؤمن به ويعتبره منهجاً إسلامياًَ. والذين كانوا يعارضون الإصلاح بالتدرج ويعتبرونه "حيلة" من حيل العلمانيين، صاروا يطرحون التدرج كحل من الحلول الأساسية لمشكلات الأمة

كما تطرّق القصيبي إلى قضايا صارت ضمن الأدبيات العادية التي يطرحها الدعاة يومياً، مثل تغيّر الفتوى، أو تقنين الشريعة، والاجتهاد، والتأمين، ووسائل التسلية، وقضايا المباح وكونه الأصل في الشريعة. القصيبي في هذا الكتاب الذي تميز بكونه كتاباً "تاريخياً" على صغر حجمه، امتاز بالرجوع إلى الكتاب والسنة وكتب الحديث والفقه، وأقوال ابن تيمية وابن القيم، لم يكن يأت بشيء من عنده، بل كان سبّاقاً إلى التحديث وميّالاً إلى الرؤية الشرعية المتجددة، وكان يحاول أن يطوّع الفقه لمصلحة العصر، وهي الدعوات التي صار الدعاة يتسابقون إلى الدعوة إليها

ليس غرضي من هذا التذكير ممارسة "التأنيب"، ولكن الهدف الأساسي إشاعة روح الأمل، ذلك أننا نتغيّر من دون أن نعرف أحياناً، نتغيّر نحو الأفضل والأقرب إلى روح العصر. ما كان محرّماً أصبح مباحاً. وما نال القصيبي من لوم وتفسيق واتهام بالعلمانية والمروق من الدين اكتشفنا أنها مسائل يسع فيها الخلاف والاجتهاد؛ بل رأينا الدعاة يعتبرونها أولويات بعد أن كانت محرّمات. هذا هو هدف إعادة تاريخ ذلك الكتاب أن نعلم أن التغيّر في المجتمعات مثل تغيّر الأفراد لا يدرك بوضوح. هناك موجات مرت على المجتمع ساهمت في تغييره وفي إعادة أولوياته

قال أبو عبدالله غفر الله له: يحقّ لنا أن نأمل بالتغيير، ولا شيء يمكنه أن يزهق روح الأمل في أرواحنا، بدليل أن عقدين من الزمان ومن السجال الفكري صارت جزءاً من التاريخ، واعتذر الذين خاصموا القصيبي للقصيبي شخصياً قبل موته، أو لروحه بعد موته، ولسان حال ذلك السجال قول أبو تمام

ثم انقضت تلك السنون وأهلها ** فكأنها وكأنهم أحلام!

17 أكتوبر، 2010

جهيمان العتيبي: لو كنت أعلم الغيب لما قدت جماعتي بالسلاح داخل الحرم


كشفت دراسة نشرها مركز المسبار للدراسات والبحوث أن قائد محتلي المسجد الحرام جهيمان العتيبي ندم على قيادته عشرات المسلحين هناك في العشرين من تشرين الثاني (نوفمبر) 1979، الأول من شهر محرم 1400 هجري.

وذكر منصور النقيدان في دراسته التي نشرت في الكتاب الخامس والأربعين الذي صدر الشهر الماضي في عنوان «الإسلاميون في الخليج - القضايا» أن القوات السعودية وجدت العتيبي في إحدى خلوات المسجد، جالساً في الركن على كومة من الذخيرة والأسلحة الآلية، في هيئة استعداد وسلاحه بيده، لكنه انقاد للقوات بعد أن عرَّف بنفسه، لكن القوات السعودية كانت متشككة في حقيقة هويته، حتى أكد عسكري كان قد زامله في الحرس الوطني أن الرجل المقيد بين أيديهم هو جهيمان العتيبي، ليتم تسليمه بعدها إلى المباحث العامة.

وذكر النقيدان الذي اعتمدت دراسته «السلفيون أهل الحديث: عرّف بنفسه قراءة في فكر المحتلين للمسجد الحرام» على مصادر متنوعة من المقابلات والمصادر الشفهية والمكتوبة والتسجيلات الصوتية والمراسلات، أن مصادر أمنية أكدت أن العتيبي كان يعاني من إصابة بيده لكنها لم تكن خطرة، وقد بدا متماسكاً في اللحظات التي أعقبت استسلامه يحاور سجانيه ويبادلهم الحديث ويناقش في حقيقة المهدي المنتظر ومطابقة صفاته لمحمد بن عبدالله القحطاني الذي أرغم عشرات الألوف من المصلّين بقوة السلاح أن يبايعوه إماماً للمسلمين، لكنه لقي حتفه في اليوم الرابع من الاحتلال.

وسردت الدراسة تفاوت الشهادات عن حالة جهيمان النفسية أثناء التحقيق، وكانت إشاعات انتشرت شعبياً تأثر بها بعض من كتب عن حادثة الاحتلال من الصحافيين والباحثين العرب؛ تصوِّر العتيبي بطلاً أسطورياً لم يتزحزح عن مواقفه وبقي صامداً حتى لحظة إعدامه، بينما أكدت شهادات زملائه الذين التقوه أثناء التحقيق أنه كان كريماً فوق المتوقع بالمعلومات التي مكنت الأجهزة الأمنية من الوصول إلى أشخاص كانوا متورطين بدعم الجماعة، وآخرين كان عندهم علم مسبق بعزم الجماعة على حمل السلاح في الحرم المكي.

وتضمنت الدراسة معلومات تنشر للمرة الأولى، ومنها ما ذكره مصدر أمني التقى جهيمان في الساعات الأولى بعد استسلامه، وأكد أنه كان هادئاً وقادراً على شرح وجهة نظره وإيمانه بالمهدي، لكنه كان منكسراً ونادماً على حمل السلاح.

وذكرت الدراسة أن العتيبي عزل عن أتباعه الذي بقوا أحياء وسلّموا أنفسهم للقوات السعودية في الرابع من كانون الأول (ديسمبر) 1979، وقد أعدم منهم 62، وحكم بالسجن على عشرات منهم.

وأشار النقيدان إلى ازدهار فكر السلفيين أهل الحديث بين عامي 1987 و1994، لكن الفترة بين عامي 1995 و2003 أعادت تشكيل هذا التيار في طور جديد هو «السلفية الجهادية»، وكان أبو محمد المقدسي هو الجسر الواصل بين الجماعة وماضيها. كما استعرضت الدراسة الحالة الفكرية والدينية في السعودية في خمسينات القرن الماضي وستيناته، وهي فترة تكوُّن الجماعة وربطها بمحاولة الحكومة احتواء ظاهرة نمو الاحتساب الجماعي.

واعتبر النقيدان أن عالمَ الحديث السوري الألبانيَّ هو أبرز المؤثرين في الجماعة، وقد قضى الألباني أربع سنوات مدرساً في الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة (1960-1964)، لكن الجامعة استغنت عنه بعد شكاوى بعض زملائه من أعضاء هيئة التدريس الذين اتهموه بالتحريض على انتقاد الفقهاء والتطاول على الأئمة الأربعة، وذكرت الدراسة رد فعل الألباني تجاه طلابه بعد حادثة الاحتلال، وانتقاده جهيمان والمهدي.

ونشطت الجماعة في عشريتها الأولى (1965-1974) في الوعظ وتسيير الرحلات الدعوية إلى القرى والبوادي، واستفادت من موسم الحج لنصب مخيم كبير تستضيف فيه الكثير من العلماء وتبشر بأفكارها.

وسرد النقيدان تعليقات مسؤولين سعوديين ومتابعين حول حقيقة تسرب الفكر التكفيري إلى الجماعة، وتأكيد عالم الحديث اليمني مقبل الوادعي أن الجماعة تأثرت بالتكفير والهجرة، وذكرت الدراسة أن مساكن طلاب جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية شهدت نقاشات ساخنة بين المتأثرين بفكر الجماعة وغيرهم من الطلاب حول قضايا التكفير والحكم بغير ما أنزل الله
.

وشرحت دراسة النقيدان أسباب صعود نجم جهيمان العتيبي الذي قاد عملية احتلال الحرم، وتأثره بتاريخ الإخوان البدو الذين شكلوا القوة الضاربة في جيش الملك عبدالعزيز في مرحلة التأسيس. وكان جهيمان في شبابه متأثراً بفكر التبليغ أوائل ستينات القرن الماضي، وتدرّج في الجماعة إلى أن وصل إلى منصب مسؤول الرحلات، واستطاع لصفات شخصية أن يقود الغالبية العظمى من أعضائها، لكنه أدخلها إلى أتون القضايا السياسية والتشكيك بشرعية الحكم السعودي، وقد تسببت رؤاه المتشددة بسوء علاقته بشيخه عبدالعزيز بن باز.

وقدمت الدراسة تعريفاً بأهم الأسماء البارزة والمؤثرة، ومنهم مقبل الوادعي (1938-2001)، وبديع الدين السندي (1926-1996) الباكستاني، اللذان أبعدتهما الحكومة السعودية عن البلاد قبل احتلال الجماعة الحرم بعام واحد.

في النصف الثاني من السبعينات كان صعود نجم جهيمان الذي يمثل تيار الصقور داخل الجماعة على حساب تيار أبو بكر الجزائري مرشد الجماعة الذي خلف ابن باز والذي تحول إلى الرياض لتولي منصب الإفتاء، لكن الجزائري لم يتمكن من ملء الفراغ. ومع ازدياد انتقاد العلماء خط الجماعة الآخذ نحو الصدام والتمرد اضطُر جهيمان إلى إصدار الرسائل التي تشرح وجهة نظره، وكانت رسائله تهرب عبر الحدود إلى السعودية بعد أن تطبع في مطابع مجلة الطليعة في الكويت.

وحاولت الدراسة ربط خيوط قصة الجماعة التي تنوعت مصادرها المتضاربة والمتآلفة لتقديم تفسير مقنع لما كان معتماً عليه من فكر وتاريخ الجماعة التي احتلت الحرم، كما سردت الدراسة الخلافات بين أفراد الجماعة بعد خروجهم من السجن والنقاشات بينهم في جواخير الكويت، في الفترة 1987-1989، وانشقاق عصام البرقاوي «أبو محمد المقدسي» عن الجماعة، وكان البرقاوي قد عرف السلفيين أهل الحديث في شبابه أواخر السبعينات، لينهج خطاً مختلفاً تحول بعده إلى أشهر منظر لفكر الجهادية السلفية.

16 أكتوبر، 2010

الصفقة العسكرية السعودية ودلالتها السياسية


في الأيام المقبلة سترسل وزارة الدفاع الأميركية مذكرة تخطر فيها الكونغرس بالصفقة العسكرية التي تم التوصل إليها قبل أشهر مع السعودية، وتمتد لعشر سنوات مقبلة. تقدر قيمة الصفقة بـ 60 بليون دولار أميركي، وتشمل إلى جانب التدريب وقطع الغيار، شراء 84 مقاتلة من نوع «إف 15»، وتحديث 70 طائرة من النوع ذاته لدى السعودية. كما تشمل الصفقة 178 طائرة هيليوكوبتر، وسفناً حربية، وأنواعاً مختلفة من الصواريخ. وبما أنها تعتبر من أكبر الصفقات في تاريخ المشتريات العسكرية الأميركية، كان من الطبيعي أن تستحوذ على اهتمام إعلامي لافت، حيث تحول خبر الصفقة بسرعة إلى مادة مثيرة للتحليل والتخمين وأصبح هدفاً للكثير من الأسئلة. كان هناك من تساءل إن كان إقدام السعودية على صفقة بهذا الحجم يحمل في طياته رسالة سياسية من الرياض لواشنطن تؤكد من خلالها عمق العلاقة بينهما ومتنانتها، بخاصة في مثل الظروف السائدة حالياً على المستويين الإقليمي والدولي. وكان هذا من أقل التحليلات ذكاء. هناك من يرى في الصفقة مساهمة سعودية لمساعدة إدارة أوباما وسط الأزمة المالية التي تعصف بالأوضاع الاقتصادية الأميركية. وهذا تحليل تقف خلفه ذهنية لمّاحة في سرعة الربط بين الحدث، والظروف المحيطة بالحدث. لكن بغض النظر عن مدى صوابية مثل هذه التحليلات، إلا أنها تتفق في شيئ واحد، وهو أنها لا تأخذ في الاعتبار معطيات أكثر صلة بطبيعة الظروف، وبالمعطيات التي يمكن أن تقف خلف صفقة بهذا الحجم، وفي مثل هذا التوقيت. من هذه المعطيات المصلحة السياسية والأمنية للسعودية كلاعب رئيس في منطقة تواجه مخاطر، إذا تحققت فستكون أسوأ مما سبقها. أن تستفيد إدارة أوباما سياسياً من الصفقة، أو أنها قد تساهم، مهما كان حجم هذه المساهمة، في التخفيف من وطأة الأزمة المالية الأميركية، كل ذلك وغيره طبيعي وتحصيل حاصل. السؤال الأهم من كل ذلك: ماذا ستستفيد السعودية من هذه الصفقة؟

للإجابة عن هذا السؤال لا بد من وضع الأمر في إطاره الإقليمي. فمن المعروف الآن أن منطقة الخليج العربي تعاني حالة مزمنة من عدم الاستقرار يمتد عمرها الى اربعة عقود: تخللتها خلافات حدودية، وأزمات سياسية وطائفية، ومغامرات عسكرية، وتحالفات بين دول تغذيها طموحات جامحة، وحروب مدمرة، من دون الدخول في التفاصيل الأقل شأناً من ذلك. ومن المعروف أيضاً أن السبب الرئيس لعدم الاستقرار في الخليج العربي، وكأي منطقة من العالم، يعود في شكل أساس إلى اختلال توازنات القوة فيها خلال العقود الأربعة الماضية. فبعد الانسحاب البريطاني أوائل سبعينات القرن الماضي، انحصرت معادلة التوازن بين العراق وإيران، ما يعني هشاشة التوازنات. كانت أميركا طرفاً في المعادلة، لكن من بعد، أو كما يقال في الأفق، من خلال وجودها العسكري في أعالي البحار، وفي قاعدة ديغو غارسيا جنوب الخليج العربي، وقاعدة إنجرليك في تركيا في الشمال. كان ذلك حتى عام 1990. بعد الثورة الإيرانية سقطت تلك المعادلة، ما فتح المجال لأن يتحول غياب الترتيبات الأمنية، واستمرار الاختلال في معادلة توازنات القوة، إلى عامل إغراء لكل من العراق وإيران لفرض هيمنته على المنطقة. كان العراق تحت حكم البعث سباقاً في الانسياق وراء هذا الإغراء للدخول في مغامرات تحركها طموحات ومطالب وخلافات لا تنتهي. لم تكن إيران تختلف في طموحها عن العراق، لكنها كانت تنتظر فرصتها المواتية.

والغريب أن هذه الفرصة جاءت على يد الأميركيين عام 2003 عندما احتلوا العراق، وأسقطوا نظام صدام حسين، عدو طهران الأول في المنطقة، وسلّموا الحكم فيه لحلفاء إيران. بعبارة أخرى، أخرج الأميركيون العراق ليس فقط من توازنات القوة في الخليج، بل من النظام الإقليمي العربي.

هنا دخلت منطقة الخليج العربي حقبة الطموح الإيراني لتعزيز مكاسب طهران في العراق أولاً، ثم في المنطقة ككل، مستفيدة في ذلك من الضعف العربي الذي ترك العراق يواجه مصيره بمفرده أمام الأميركيين والإيرانيين، وأمام حالة انهيار داخلي لم تتوقف حتى الآن. لكن في موازاة حاجة إيران الى تعزيز مكاسبها في الخليج، تحتاج أيضاً الى حماية هذه المكاسب والمحافظة عليها. وهذه الحماية لا يمكن أن تتأتى لها إلا بتطوير قدراتها العسكرية وتعزيزها. والحقيقة أن إيران تكاد تكون الدولة الوحيدة التي استفادت عسكرياً من حربها الطويلة مع العراق خلال عقد الثمانينات من القرن الماضي. واللافت في هذا السياق أن المشروع النووي الإيراني عاد بحيوية غير مسبوقة بعد سقوط بغداد مباشرة. وقبل ذلك وبعده هناك النشاط المحموم في طهران لتطوير منظومات التسلح لديها، بخاصة في مجال الصواريخ، والدفاع الجوي.

السؤال في هذه الحالة: ماذا حصل لمعادلة توازنات القوة في المنطقة بعد سقوط العراق، وبعد أن نفذت الولايات المتحدة ما سمّته انتهاء مهمتها القتالية في العراق الشهر الماضي، وسحب معظم قواتها من هناك؟ بحسب تقديرات مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية في واشنطن (CSIS) لعام 2010، فإن الحجم الإجمالي للقوات الإيرانية هو 560 ألفاً. وبحسب التقديرات نفسها يصل المجموع الكلي لقوات دول مجلس التعاون الست إلى 347 ألفاً. الأرقام تشمل حجم كل فروع القوات المسلحة. الحجم الإجمالي لقوات دول مجلس التعاون من دون السعودية يصل إلى 120700 فرد. أما حجم القوات السعودية بمفردها فيصل إلى 226500 ألف، أو 65 في المئة من الحجم الإجمالي لقوات دول مجلس التعاون الست مجتمعة. بالنسبة الى سلاح الطيران، يقدر المركز أن عدد الطائرات الإيرانية هو 312 طائرة، لكنه يشير إلى أن ما بين 40 و 60 في المئة من هذه الطائرات معطل بسبب العقوبات كما يبدو. أما السعودية فيصل حجم سلاح الجو لديها إلى 280 طائرة من مختلف الأصناف الأميركية والأوروبية، بما في ذلك طائرات الـ «إف 15» الأخيرة. الإمارات هي الدولة التي تملك أكبر سلاح جوي بعد السعودية بحسب تقديرات المركز، حيث يقدر هذا الحجم بأنه 184 طائرة.

تعطي هذه التقديرات انطباعاً بأن الفارق في حجم القوات بين الطرفين ليس كبيراً، وهو فرق يمكن تعويضه أو إلغاؤه تماماً بحجم أو نوعية نظام التسلح الذي تملكه دول المجلس، بخاصة السعودية. لكن التقرير يشير إلى أن دول المجلس تعاني في شكل واضح من ضعف في التنسيق والتكامل في ما بينها، ومن عدم قدرة على تحديد المهمة والهدف المشترك من ورائها. هناك شيء من عدم الانسجام في السياسة الخارجية، وبخاصة تجاه إيران، وملفها النووي. على هذا المستوى، تبدو السعودية والكويت والإمارات في جانب، في حين تبدو عمان وقطر في جانب آخر. الأهم من كل ذلك أنه إذا كانت تقديرات المركز دقيقة، فإنه يعني أن ليس أمام إيران للمحافظة على مكاسبها وتعزيزها إلا امتلاك سلاح نووي يسمح لها بفرض طموحاتها على الآخرين.

في ضوء تلك المعطيات وغيرها، تبرز أهمية أو دلالة الصفقة الأخيرة مع السعودية. فخروج العراق كقوة إقليمية من المشهد لم يضف فقط إلى قوة إيران، بل وضع السعودية عملياً وفي نهاية المطاف، ومعها دول مجلس التعاون الخليجي، في موقع المعادل الإقليمي لها. وهذا تطور له متطلباته التي أولها أن معادلة توازنات القوة في المنطقة أصبحت تعني هذين الطرفين قبل غيرهما. صحيح أن المواجهة المباشرة حالياً هي بين إيران والولايات المتحدة، لكن لاحظ أن المواجهة تحدث على أرض الخليج. ولاحظ أيضاً أن طرفي هذه المواجهة متجاوران في وجودهما وفي نفوذهما داخل العراق. وهذا أمر لا بد من أن تكون له تبعاته ونتائجه على مستقبل العلاقة بينهما، وهي تبعات ونتائج لا أحد يستطيع أن يتنبأ بما ستكون عليه، ولا الوجهة التي ستتخذها. قد يكون من النتائج التوصل إلى تفاهم إقليمي بين الإثنين. من هذه الزاوية لا بد للسعودية من أن تعزز قدراتها العسكرية بحيث تعوض أولاً خروج العراق من المعادلة، وثانياً لتعوض عدم الانسجام داخل مجلس التعاون، وثالثاً لتشكل رادعاً ذا صدقية أمام إيران، ورابعاًُ لتعزز من ثقلها الإقليمي لمواجهة أي تطورات إقليمية محتملة، بما في ذلك ما قد يطرأ على العلاقة بين حليفها الأميركي ومنافسها الإيراني.

بقي سؤال وملاحظة. السؤال: لماذا «إف 15»، وليس الجيل الأحدث، «إف 35»، وهو ما حصلت عليه إسرائيل أخيراً؟ أما الملاحظة فهي أن نتذكر أن معادلة توازنات القوة لا تقتصر في حالة أية دولة على الجانب العسكري وحسب، بل تشمل الجوانب السياسية والاقتصادية. ولهذا حديث آخر.

13 أكتوبر، 2010

معرض الرياض الدولي للكتاب


بدأت وكالة الوزارة للشؤون الثقافية بوزارة الثقافة والإعلام تكوين اللجان العاملة بمعرض الرياض الدولي للكتاب للعام القادم، وقال الدكتور عبدالله الجاسر وكيل وزارة الثقافة والإعلام بأن معرض الرياض الدولي للكتاب سيكون مع نهاية ربيع الأول القادم، بداية الأسبوع الأول من شهر مارس ٢٠١١م، وهو الموعد المسجل دولياً.

وأشار وكيل وزارة الثقافة والإعلام الى ان وزير الثقافة والإعلام الدكتور عبدالعزيز محيي الدين خوجة قد وافق على الطلب المقدم من الهند بأن تكون الهند ضيف شرف معرض الرياض الدولي للكتاب للعام القادم، منوهاً بأن تكوين اللجان دمجاً أو إحداثاً يأتي من الدراسة التقييمية التي أعدتها وكالة الوزارة للشؤون الثقافية بناء على المعارض السابقة وبالذات معرض الرياض الدولي للكتاب العام الماضي، وأن الهدف الذي تسعى اليه وزارة الثقافة والإعلام يأتي في تحسين الخدمات التي تقدم لمرتادي المعرض، وذلك من خلال الملاحظات والمقترحات التي تلقتها وزارة الثقافة والإعلام من كثير من المفكرين والمثقفين وأهل الخبرة والدراية في الشأن الثقافي.

وأكد وكيل وزارة الثقافة والإعلام على اهتمام وزير الثقافة والإعلام بالبرنامج الثقافي والفني، والمناشط والفعاليات الثقافية التي تصاحب البرنامج الثقافي بشكل محدد وفي تطوير آليات عمل المعرض بشكل عام، مشيراً الى أن كل المؤسسات والجمعيات ذات الطابع الثقافي السعودي سوف يكون لها مشاركات فاعلة مثل الأندية الأدبية والجمعيات الفنية والثقافية السعوددية، مضيفاً ان وزارة الثقافة والإعلام سوف توجه الدعوة لمجموعة من النخب الثقافية العربية والإسلامية ومن الدول الأخرى من أجل تعزيز البعد الدولي لمعرض الرياض الدولي للكتاب العام القادم، وذكر وكيل وزارة الثقافة والإعلام بأن الهند ضيف شرف المعرض العام القادم سوف تساهم في مكونات البرنامج الثقافي المصاحب للمعرض، إضافة إلى فعاليات ومحاضرات وندوات من الجانب الهندي من أجل تعزيز التواصل الثقافي بين المملكة العربية السعودية والهند.

وأكد في ختام تصريحه إلى أن وزارة الثقافة والإعلام وبتوجيهات دائمة من وزير الثقافة والإعلام تسعى دائماً إلى الاستفادة من المقترحات والمرئيات التي تعزز مسيرة معرض الرياض الدولي للكتاب كمحفل ثقافي يبرز مستوى النماء والنهوض الثقافي الحضاري في هذه البلاد التي يرعى مسيرتها المباركة خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز وسمو ولي عهده الأمين حفظهم الله.

12 أكتوبر، 2010

رسالة من أرض الوطن

(14)
رسالة من أرض الوطن
العزيزة رحيل،،
كل حياتنا رحلات، بعضها مغامرات وأخرى استكشافات، وفي غيرها نجد أنفسنا في ركب ينتقل ببطء بين ولادتنا إلى حيث يكون قدرنا. إن رحلة حياتنا هذه طويلة تقف في المحطات لنستدرك أنفاسنا ونستجمع أفكارنا ثم نتابع السير حتى الاستراحة التالية. رحلة الحياة هذه تسير بهدى أو بغير هدى، من يدري، ولكن دائما لها وجهة، فهي تسير ونحن معها نحو خاتمتنا. هذه المحطة الأخيرة حتمية وإن تغيرت وجهتنا، وحتى إذا قررنا الانضمام إلى ركب مختلف لنمشي الهوينى في قافلة أخرى. مهما يكن، فإن القافلة متثاقلة في طبعها وبطيئة في ممشاها  فننسى من أين أتينا ولا نُدرك إلى أين المنتهى.
لقد قيل لي وأنا طفل صغير بأن قدرنا مكتوب على جباهنا، فنظرت إلى جبيني في المرآة ولكن لم أرى من ذلك المكتوب أي حروف، "هل يا ترى هي في البؤر الصغيرة"؟ سؤال ساذج؛ ولكني أيقنت وأنا أمعن النظر في انعكاس وجهي على المرآة أنه حري بي أن لا أضيع وقتي في محاولة فك طلاسم القدر لأتنبأ بالأحداث، لأحاول إقناع نفسي ومن حولي بأن "حدسي" كان يهمس لي، وأن "قلبي دليلي"، وأن أحلامي "رؤى". وكما أنه ليس من بيننا قديسين لهم أن يرو المستقبل ويتنبأون بالغيب، فالحال هو أن عهد المعجزات قد ولّى، وأُغلق الباب خلف خاتم الأنبياء. لذلك آثرت أن أعامل القدر على أنه كتاب منسي في مكتبة أثرية يقبع على رف الإهمال حتى اندثر تحت غبار النسيان والهامشية.
القافلة التي كنت في ركبها كانت تسير في الصباح وتستريح في المساء يوما بعد يوم. وفي ليلة كحلاء تساءلت عن الوجهة وإلى أين سيكون المنتهى؟ سقط سؤالي من شفتي المتشققة فوقع قتيلا على تراب عدم الاكتراث؛ لم يكن هناك جواب! قررت التنازل عن الأمان الذي كانت توفره القافلة، قررت إنهاء اعتماديتي على الرتابة، قررت عدم السماع للحن متثاقل مُمِل يغني على إيقاع موكب الجنازة القدرية. قررت العودة إلى الأرض التي استقبلتني إلى هذه الدنيا، إلى البقعة التي أعلنت لعالم غير مهتم بأن من بينكم وليد جديد، قررت العودة إلى الولايات المتحدة الأمريكية!
هناك علاقة خاصة بيننا وبين الأماكن التي تستقبلنا ساعة الولادة. تستلمنا مدفوعين من دفء رحم الأم إلى برد الحقيقة، من آمان الانتماء إلى خوف الذاتية والإنفراد، من كسل الاعتمادية إلى الكَبَد والمعاناة، فينقطع حبلنا السُرّي ليصبح المولود منّا إنسانا يسابق الزمن إلى رحم القبر.
 كنت أُحّس حينها أني قد بلغت السابعة والستين أو الثانية والسبعين، لا أذكر، فالرتابة أُخت النسيان. ولكن في أول يوم لي عائدا إلى أمريكا سألوني عن عمري فاستجمعت السنين على الأصابع واستشرت الروزنامة ولهولي سمعت نفسي وأنا أقول "خمسة وثلاثين"! لقد كنت أحس بالوهن قبل تلك اللحظة، ومن بعدها اكتشفت صغر سني وملاحة وجهي وجمال روحي وقوة زندي وأنَفَةَ نفسي، وتفاؤلي بالحياة وإقبالي على المستقبل وكأن المستقبل المجهول المُقبل هو تلك الجميلة التي كانت تزورني في الأحلام طوال عمري. تلك الجميلة التي كانت دائما تقبل علي لتعانقني، لقد أقبلت بالفعل تلك الجميلة تحتضنني بذراعيها وتضمني إلى نهديها، اجتمعنا على تراب الأرض الجديدة؛ الدنيا الجديدة؛ فسكنت في حِجْرها راغبا في الارتواء من صدرها، لقد انتشيت!
وبعدها وفي لحظة تأمل وغبطة كدت أحسد نفسي عليها أدرَكَت أعماقي أنها قد تحررت من الخوف! ولكني لم أدرك حينها كيف ولماذا أو حتى ما الذي كنت أخاف منه، ولا كيف كان إحساس الخوف المميت الذي كان يلازمني؛ لقد نسيت أو تناسيت! ألم أكن أحس بالأمان في القافلة؟ ألم أكن راضيا بين أفراد القبيلة؟ ألم أكن قانعا باللبن والتمر؟ ألم أكن حامدا الله على كرم شيخنا وحكمة بطانته؟ ألم أكن معززا مكرما؟ فلم أكن بينهم جائعا ولا عطشان، ولم أكن عاريا ولا بردانا. لقد كانت عللي قليلة؛ فقد كانت "فقط" عيني كفيفة عن رؤية الحقيقة، وإذني "فقط" صماء عن سماع المنطق، وشفتي "فقط" خرساء عن التعبير، ويدي "فقط" مقيدة عن الإشارة إلى الظلم، وقدمي "فقط" تمتنع عن الوقوف شاهدة على الخطيئة، وقلبي "فقط" يخفق خوفا إن أراد أن يتعاطف مع المظلوم، أو إذا أدرك بأن العدالة المزعومة هي مجرد كلمة ينطق بها دليل القافلة عندما يبطش بأي منا - نحن الأتباع - إذا ساورتنا أنفسنا بعدم الانصياع، فغير ذلك كان حالي هو الكمال بعينه، وأي مكان تحل به القافلة كان جنة الله على أرضه!
تصورت نشوتي في العودة إلى أرضي كيف أن تلك النشوة هي الذروة وأن من قبلها ومن بعدها بطحاء السأم. تصورت عودتي إلى أمريكا وكأنها عودة طفل كان يتبع أمه في سوق باهي الأضواء أعجبه استراق النظر إلى الباعة والحاجيات وحين نظر أمامه لم يجد أمه إلا بعد أن زاره التيه واستسلم إلى أحاسيس الضياع، فجرى إلى أمه فور أن لمح محياها لتطمئنه وتحتويه. أنا هنا أنتمي! لقد كان يوما بهيا عشت فيه هذه النشوة ولكن هذه النشوة لم تهوي من قمتها؛ فحتى الآن لم أصل إلى ذروتها؛ وكل يوم جديد هو أمتع من أمسه.
ليس بين يوم مغادرتي ويوم عودتي إلى أمريكا إلا بضع أيام مُهدرات أحتسبها على محاولة الانسجام في مجتمع لم يكن ليقبل إلا بمن يلتزم بالقالب المعهود؛ أن لا تقول شيئا في حضرة الكبار، أن لا تسأل، أن لا تفكر، أن لا، لا، لا. أما هنا فمن المستغرب إن لم تستفهم، إن لم تجرب، إن لم تتحدى، وإن لم تسأل "لمــــاذا"؟ قيمتك هنا في أمريكا تعادل مساهماتك في المجتمع. ليس للحسب والنسب مكان فأنت فرد وأفعالك تحكم عليك. الفرص عظيمة؛ فمقولة أن أمريكا "أرض الفرص" لم تكن أبدا جملة مجازية. وفي المقابل فإن هذه الأمة الأمريكية هي كغيرها من الدول، كغيرها من القوافل. صحيح أنها قافلة كبيرة تتكون من مجاميع من القوافل الأصغر إلا أنها تمشي كما تمشي غيرها. تسعى إلى قيادة قَدَرِها في الصباح وتشاور الركب إذا حل المساء. ليس فيها ما يميزها عن القوافل السيارة في بقاع العالم إلا اثنين؛ أن أيً من ركبها له أن يقود بالإجماع، وأن الضوابط تسير على الجميع بالعدل والفسطاط ... آه وشيء آخر، لا يفرض عليك أن تردد وراء شيخ العشيرة أغنية الترحال البائرة المتقادمة التي يزعق بها صباح مساء.
 وجدت نفسي منسجما في هذا المجتمع الرحب، واكتشفت أني أميل إلى مجموعة خاصة فيه، إلى هؤلاء الذين أشاركهم الشرق، هؤلاء الذين تنقلوا على البساط السحري، الذين زاروا البلاد مع السندباد، الذين دخلوا غابة كليلة ودمنة، وسهروا على قصص شهرزاد لألف ليلة وليلة، وسمروا على أشعار عنترة والمتنبي وابن سلمة، وأكلوا الزيتون، وشربوا الزمزم، وصلوا في كنيسة المهد، وتعبدوا في المسجد الحرام، واعتكفوا في قُباء؛ هذه المجموعة الأرهف حسا والأجمل خلقا: العرب الأمريكيون. هذا الركب في قافلة أمريكا يغني على أنغام العود ويتذكر الشرق على أنين الناي، يشرب الشاي ويأكل الحمص بزيت الزيتون؛ ياله من ركب جميل!
تحياتي ووداعي يا رحيل
صديقكِ إلى الأبد وحيد