28 سبتمبر 2010

لا قبيلة لا وطن

(12)
لا قبيلة لا وطن
كل أرض حول العالم تحمل مذاقا مختلفا من القهوة. فمن التنوع المتعدد للقهوة الإيطالية، إلى المذاق المبهج للقهوة الفرنسية، والحاد الأسود للتركية، والمذاق المر المنعش للأمريكية (والتي يقال أن الأمريكيين عشقوها نكاية بمستعمرهم القديم بريطانيا عاشقة الشاي)، لكن جميعها تتفق في أمر واحد، وهو الزيادة المتضاعفة لعدد متذوقيها وعشاقها.
ومن غرائب القهوة العربية أنها القهوة الوحيدة التي تتناقص مساحة شاربيها حول العالم، وتأخذ المركز الثاني في بلدانها، رغم أنها من المفترض أن تكون منبع القهوة. ربما يعود ذلك لارتباطها بالتراث البدوي (القبلي) وعدم قدرة أصحابها على تقبلها بصورة جديدة ومتغيرة. فما زالت طريقة التحضير والتقديم هي نفسها منذ ورثها هذا الجيل من أجداده. وفي الوقت الذي تتحول فيه القهوة في كثير من دول العالم إلى رمز للتجديد الحضاري عبر انتشار علاماتها التجارية العالمية والإبداع في تطوير المذاقات والنكهات والتصاميم والديكورات، تبقى القهوة لدينا رمزا للحفاظ على التراث والأصالة.
وكما تتنوع أصناف القهوة، صرت اكتشف تنوعا متميزا في وحيد وملامحه التي صرت أبصر فيها أبعادا جديدة كل مرة أراه فيها. فقد التقيت به مرات عدة بعد تلك السهرة الجميلة (والثقافية) في السفارة الفنزويلية. وكل مرة أقابله فيها تظهر لي أشياء لم أعهدها في الشخصية السعودية. فها أنا أمام شاب سعودي الهوية، بملامح غربية، يعمل في السفارة الأمريكية، وسافر إلى كثير من بلدان العالم وتعامل مع كثير من رجال الأعمال لارتباطه بالملحقية التجارية، وأمه أمريكية (وطبعا يحمل الجواز الأمريكي)، إنه أقرب ما يكون لتصوري عن الشخصية السعودية العالمية.
لكن الميزة الأقوى في وحيد (وقد تكون نقطة ضعفه أيضا) هي قدرته المتمكنة من الغوص إلى أعماق المسائل والنظر إليها من منظور جديد ومختلف، مستعينا بثقافة واسعة يستطيع أن يأخذك بها إلى عالم أرحب من الحوار الشيق. فعلى سبيل المثال، اذكر في أحد النقاشات أننا كنا نتحدث عن مشكلة العنصرية القبلية لدينا، وكيف أنها متجذرة في المجتمع السعودي، حيث تنظر بعض الأسر باستعلاء لكونها من أصول قبلية معينة، وترفض في بعض الأحيان مصاهرة عوائل من قبائل أخرى، وقد تصل إلى القطيعة في حالة زواج أحد أفرادها بمن لا يعرف لهم أي انتماء قبلي. ولم أكن أعرف لماذا كانت نبرة صوته تتغير ويشوبها شيئا من الحزن كلما تحدثنا في هذا الموضوع.
أخذ يشرح لي كيف أنه عندما كان صغيرا لم يكن مهتما بمعرفة أصوله القبلية، ولم تكن مصطلحات مثل "قبيلي" و"خضيري" (الخضيري هو في عرف المجتمع السعودي من لا ينتمي لقبيلة معروفة) تعني له شيئا. وعاش فترة من الزمن على تلك الحالة، إلى أن بدأ بملاحظة الصراعات الدائمة بين أقرانه السعوديين في هذا الموضوع، فقرر أن يبحث عن أصوله. وعلى الرغم من أنه ظل ينتقد الأفكار العنصرية القبلية قبل وبعد أن عرف أنه ينتمي إلى أحد القبائل الكبيرة، إلا أنه شرح لي أن شعوره حين كان ينتقد تلك العنصرية قبل أن يعلم أصوله القبلية قد اختلف عن نقده الآن بعد أن أدرك أنه ينتمي إلى أحد أفخاذ القبائل المعروفة. فنحن حين ندين مثل هذه الأعمال العنصرية في المجتمع، وبخلفية اجتماعية وثقافية تضعنا في مرتبة أعلى عن من يعانون فعلا من هذا الاضطهاد، يصير من يسمعنا يقرأ في أصواتنا نبرة استعلاء دون أن نعلم.
استمر وحيد بالحديث بتلك النبرة المنخفضة الحزينة وقال لي: "إن معظم الذين يدينون هذه التصرفات لا يستطيعون فعلا أن يعارضوها على أرض الواقع. ولو مر أحدهم بتجارب حقيقية في المصاهرة أو التعاملات الاجتماعية الأخرى فسيكون له موقف مختلف تماما. فقليلون من يستطيعون أن يقفوا ضد التيار بشكل فعلي. لكن المحزن حقا أن المجتمع السعودي لم يكن بهذه الطبيعة قبل أن يعيش فترة الطفرة البترولية في الثمانينات. فعندما حصلت تلك القفزة الخيالية في التطور الاجتماعي المتأثر بالفائض المالي بدأت عملية كبيرة لتشكيل الهوية السعودية لتتماشى مع التغيرات السكانية والعمرانية. لكن الفراغ كان أكبر من خيال العاملين على حل تلك المشكلة، أو هم أرادوها أن تكون كذلك. وامتدت الهوية القبلية لتطغى على كل العوامل الأخرى، حتى صارت العادات والتقاليد هي فقط المتحكمة في مجتمع يخاف أن يتغير حتى لا يفقد ما تبقى له من هوية".
لن أكذب عليكم وأقول أني فهمت كل ما قاله لي وحيد في ذلك النقاش، أو إن كنت أتفق معه في كل فكرة. لكن الذي أعرفه أن شهيتي لشرب القهوة العربية أخذت في التناقص منذ ذاك اليوم. فهل يعقل أن يكون هذا هو سبب عزوف أهلها عنها؟!

ليست هناك تعليقات: