21 سبتمبر، 2010

الهجرة إلى أمريكا

(11)
الهجرة إلى أمريكا
يقال أن أوائل المهاجرين إلى أمريكا قد سرقوا معهم شيئين من العالم القديم، القهوة والعبيد. ففي عهد الملك الفرنسي لويس الرابع عشر كانت فرنسا لوحدها تنقل كل سنة ثلاثين ألفا من العبيد المسروقين من أفريقيا إلى أرض المستعمرات، حيث كانوا يعملون في مزارع السكر. لكن بوادر التمرد بدأت بالظهور بين الضباط الفرنسيين، فكانت بدايتها بسرقة أشجار القهوة من الحدائق الملكية ونقلها معهم إلى القارة الجديدة. ويبدو أن شجرة القهوة قد وجدت مناخا مناسبا في ذلك المكان مما جعلها تنتشر بسرعة وتصبح من المنتجات الرئيسية في بلدان أمريكا الجنوبية.
وكما تمرد ضباط البلاط الفرنسي ضد عائلتهم الحاكمة قام العبيد الذين وصل عددهم إلى أكثر من ثمانية ملايين في العام 1791م بالثورة على خاطفيهم، وتكوين أول مستعمرة مستقلة في هايتي. وقد شكل هذان المهاجران الجديدان للقارة الأمريكية رافدا من الإنتاج صار يعد في عصرنا الحالي ثاني أكثر السلع تداولا بعد البترول. وأصبحت دول مثل البرازيل وكولومبيا وفنزويلا تصدر أكثر من نصف إنتاج العالم من القهوة.
لم أتخيل أني سأسمع كلمة "تأميم" ذلك اليوم في السفارة الفنزويلية، فقد اعتقدت أنها من الكلمات المنقرضة التي رحلت بزوال الحركات الشيوعية والاشتراكية عن الساحة السياسية العالمية، ولم يبقى منها في الأذن العربية إلا شريط ذكريات يطل علينا بين الحين والآخر عبر إعادات لخطبة الرئيس المصري الراحل جمال عبدالناصر عندما ردد كلماته المشهورة: "تؤمم الشركة العالمية لقناة السويس البحرية شركة مساهمة مصرية".
الأمر الذي استغربت منه أيضا تلك الليلة، أني عندما استدرت لأنظر للمتحدث ذو اللهجة الحجازية الخفيفة، وجدت أمامي شابا ذو بنية عضلية متناسقة، وشعر يميل إلى الشقار، وعينين خضراوين (لم اصدق لونهما في البداية لكني تفحصتهما جيدا). حاولت لبضعة لحظات أن أربط بين صوت المتحدث الذي عرَف نفسه على أنه شاب سعودي يعمل في الملحقية التجارية بالسفارة الأمريكية، وبين الصورة التي أمامي لهيئة إنسان تعودنا على أن تكون أوروبية أو أمريكية. كما أن بدلته الغامقة ماركة أرماني لم تجعل الأمر سهلا على حواسي لتقوم بالدمج بين الهويتين.
عندما أدرك "وحيد" ارتباكي في مسألة هويته توقف عن الحديث في موضوع تأميم القهوة الفنزويلية، وقال لي في صوت سريع باسم: "ليست هذه هي المرة الأولى التي يحصل معي هذا اللبس في الهوية السعودية، سواءا من السعوديين أو الأجانب. ويزول عن الجميع اللبس عندما أقول لهم أن والدتي أمريكية. لكن الحقيقة أن أمي أمريكية من أصول لاتينية، وهي أشبه للملامح السعودية من أبي الذي ينتمي لأحد القبائل الحجازية والذي ورثت عنه هيئة ((الخواجة)) هذه".
انطلق وحيد في شرح جميل وميسر عن الصورة النمطية للشخصية السعودية وملامحها، وكيف أنه تم اختزالها في شكل وثقافة مناطق محددة (كان يقصد بها الثقافة النجدية)، وكيف أن الهويات الأخرى قد أخذت المقعد الخلفي أمام المشاهد الأجنبي وكذلك في الإعلام الداخلي، مما أدى إلى هذا التصور المحدود للهوية السعودية، رغم أنها تمتاز بالتنوع والاختلاف.
لم يتوقف وحيد عن الكلام ذلك اليوم. وفي تلك الليلة تعلمت أن ما يربط فلسطين بفنزويلا كان أكبر من مشاعرنا العربية والإسلامية. وأن العالم لا يزال يعيش في معسكرين سياسيين متصارعين، والذي تغير أن هناك دول منتصرة تحصد ثمار انتصارها في الحرب الباردة، ودول منهزمة تدفع ثمن خسارتها. وبين الانتصار والخسارة كان هناك سؤال يتراقص في ذهني البعيد عن السياسة وأسرارها، فقد كنت أحاول أن أتخيل طعم فنجان القهوة الفنزويلية بعد تأميمها، هل سيكون أفضل أم أسوأ ؟!

ليست هناك تعليقات: