31 أغسطس، 2010

القهوة المحرمة

(8)
القهوة المحرمة
في بدايات العصر العربي لم تكن القهوة موجودة إلا كاسم من أسماء الخمر. سموها كذلك عندما وجودوا أنها "تقهي" أي تذهب بشهوة الطعام كما يفعل الخمر. وقد تكون القهوة الأيرلندية هي الوحيدة في العالم التي ما زالت تحمل خصائص الخمر أيضا، حيث قام مخترعها (وهو طباخ ايرلندي اسمه جوزيف شيريدان) في عام 1940م بالارتجال عندما قدم إليه مجموعة من المسافرين الأمريكيين في مطار أيرلندا وهم يطلبون شيئا ساخنا ليدفئهم من برد البلاد القارص، فقدم لهم مزيجا من القهوة الساخنة والويسكي الايرلندي. وعندما سأله أحد الركاب عن اسم هذه القهوة المميزة، فكر قليلا وقال "إنها قهوة ايرلندية".
روت لي تلك القصة أستاذتي الايرلندية أيام الجامعة. فقد كانت تلك المرأة العجوز ذات الشعر الأحمر والوجه المبتسم دائمة الحديث في كل شيء، والسؤال عن أي شيء، دون أن يكون هناك في عقلها رقيب يخيفها من التعبير عن ما يجول داخلها. وكثيرا ما بهرتني تصرفاتها العفوية والبسيطة والتي تتنافى مع أعوامها الستين، والتي تشعرني أحيانا عندما أكون بجانبها بأنها هي إبنة الثلاثين وأنا صاحبة الستين سنة.
في أحد المرات دعوتها للذهاب معي إلى المجمع التجاري، فتوقفت فجأة ونحن نسير باتجاه المقهى في أعلى المجمع، وقالت بصوت معاتب ومتعجب: "كم أنتم شعب غريب أيها السعوديون، فقد سافرت إلى بلدان عديدة حول العالم ولكن هذه المرة الأولى التي أجد مجتمعا كاملا لديه فضول شديد للنظر للآخرين بهذا الشكل. في البداية ضننت الجميع ينظر إلي بسبب كوني أجنبية أو ينظرون إلى شعري الأحمر الغريب عنهم، لكن مع الوقت اكتشفت أنكم تنظرون وأحيانا تحملقون في الآخرين من غير أي مراعاة للمشاعر. إن أول درس تعلمناه من أهلنا عندما نخرج أن ليس من الأدب أن ننظر إلى الآخرين. هل يجبركم الإسلام على هذا؟!". دخلنا بعدها في جدال طويل حاولت فيه أن أبرئ الاسلام من أفعال المسلمين السيئة، وأصرت هي على أن الدين هو كما يمارسه أتباعه وليس الصورة المثالية التي يتمناها الانسان أن تكون.
خطرت تلك الذكريات في ذهني بعد أن عدت من لقائي الساخن مع العنود. وعندها بدأت بالتساؤل عن مقدار الضغط الذي يمكن أن يشكله أفراد المجتمع على بعضهم البعض. فمن أبسط الحقائق المدركة أننا عندما نخرج على العالم ونلاقي الآخرين فإننا نتأثر بهم ونؤثر فيهم. ربما أصبح تأثيرنا يميل إلى السلبية أكثر، فقد كانت حياتنا أقل تعقيدا في يوم من الأيام، وفجأة أصبح لدينا الكثير من المتغيرات الاجتماعية، وصارت الحياة العصرية تفرض علينا نوعا جديدا من منظومة القيم التي نعيش وفقها. ويبدو أن قيمنا الجديدة صارت تشكل عبئا على البعض بحيث يصعب عليهم التعايش معها. ربما نحن بحاجة لأن نتزود بأدوات اجتماعية جديدة.
البعض أوجد حلولا مؤقتة فصار يمارس نوعا من "الهجرة القصيرة"، حيث أصبحوا يعيشون جزئا من حياتهم عبر السفر خارج البلاد. فالسفر أصبح فرصة لهم ليمارسوا شخصياتهم وأنفسهم كما هي، حتى لو كان لعدة أيام أو أشهر أو سنوات. المهم لديهم أنهم سيكونوا قادرين لأول مرة أن يفعلوا ما يريدون هم لا ما يريده الآخرون.
لم يمضي شهر على محادثتنا تلك أنا وساحرتي النجدية إلا وسمعنا خبر استقالتها من البنك. وحين سعينا إلى أن نعرف أين ذهبت، وصلتنا الأنباء من صاحباتها المقربات في العمل بأنها قد تعاقدت مع إحدى الشركات المالية العالمية وتعينت بفرعها في بيروت. لكن لم يكن ذلك كل ما سمعناه. فقد انطلقت صاحباتها في نشر الإشاعات عنها وعن علاقاتها المشبوهة وعن صاحبها اللبناني الذي كان في انتظارها في المطار، وعن طريقتها السيئة في الإدارة، وبدأ الصراع على من سيخلفها في إدارة الفرع.
اختفت العنود ولم نسمع عنها أي خبر بعد ذلك.

هناك تعليق واحد:

nirvana seeker يقول...
أزال المؤلف هذا التعليق.