24 أغسطس، 2010

عيون الآخرين

(7)
عيون الآخرين
كان جان بول سارتر (الفيلسوف الفرنسي المعروف) من أشهر رواد المقاهي في العالم، ومن الناس الذين أعطوا شهرة مضاعفة لأهمية بيوت القهوة في نشر الوعي والثقافة الشعبية بين الناس، وكذلك من الذين جعلوها مكانا تاريخيا لتدوين أفكارهم وتسجيل أهم كتاباتهم. ومن العبارات التي حفظتها عنه مقولته على لسان أحد أبطال رواياته بأن "الجحيم هو عيون الآخرين".
تذكرت كلماته تلك وأنا ذاهبة لملاقاة مديرتي العنود. فقد دعتني لتناول فنجان قهوة بعد انتهاء العمل. ربما شعرت أننا بحاجة للقاء في مكان محايد للتخفيف من التوتر الشديد الذي واجهتها به اليوم في المكتب. فقد وجدت نفسي لا إراديا أصرخ بها للتوقف عن انتقاد زميلتي، وكانت توبخها بشكل مزعج أمام العميلات، وأخبرتها أنها تستطيع أن توجه لنا ملاحظاتها بطريقة أكثر إنسانية وفي وقت لا يكون فيه إلا الموظفات فقط. وعلى الفور أحسست أن أنظار الجميع قد انصبت علينا، وبقيت العنود جامدة ومذهولة لبضع ثواني، إلا أنها أنهت ملاحظاتها بشكل سريع وعادت إلى مكتبها.
لقد أعددت نفسي لسماع أسوأ كلمات الزجر والمعاتبة من ساحرتي النجدية، بل وحتى توقعت أن تقول لي أنها ستسعى لفصلي من العمل بحجة التطاول على الإدارة. وربما أضاف الخوف شيئا من المبالغة وتخيلتها تفكر في الانتقام مني جسديا وتمطرني بالصفعات واللكمات. ولكن لم يحدث شيء من ذلك.
نظرت إلي العنود وكأنها تعلم ما يجول داخل فكري من تساؤلات، ورسمت على وجهها ابتسامة خفيفة وتوجهت لي بالكلام: "اسمعيني يا رحيل. سأتحدث معك اليوم بكلام لست معتادة أن أقوله لأحد. ولكن ربما أكون لمحت فيك جزءا من نفسي عندما بدأت العمل في الحياة البنكية". وتوقفت قليلا لتستمتع بمذاق القهوة في فمها ثم أكملت: "لقد اكتفيت من كل هذا وسوف ارحل. لقد جعلتني هذه البلاد ورجالها أتحول إلى مسخ بشري يستمد قوته من استضعاف الآخرين. عندما كنت صغيرة، قرأت لجبران خليل جبران هذه الكلمات: ((ماذا أقول في رجل إذا قبلت وجهه صفعني وإذا صفعته قبل قدمي)). كل يوم أعيشه هنا يجعلني أومن بوصفه هذا لمجتمعنا أكثر وأكثر. لقد كانت مديرتي الأولى متطلبة وطاغية إلى أبعد الحدود. كانت تسعى دائما لتنتزعني من حياتي لتجعلني أدخل في عالم الأعمال الآلي والمرهق والخالي من العواطف والإنسانية. في نظرها، كانت هذه هي الطريق الوحيدة التي نستطيع بها أن نجد لنا مكانا في عالم الرجال. يتوقعون منكِ أن تلغي كل ما يمت بحياتك الخاصة بصلة وأن تعاملي الآخرين كعبيد لتكوني أنتِ الحرة الوحيدة".
سكتت العنود قليلا وكأنها نسيت اللحظة ونسيت أني معها وأنها تحدثني، وكأنها تذكرت شيئا فأكملت: "على الرغم من أن جميع العالم يصفنا بالمجتمع المحافظ إلا أن المحافظة التي نعيشها هي أقرب إلى النفاق من أي شي آخر. فنحن نسعى دوما لعدم إظهار التصرف المرفوض اجتماعيا أمام الآخرين، لكن أطفالنا يكتشفون من صغرهم أنهم إذا استطاعوا أن يقوموا بشيء مرفوض دون أن يعلم أهلهم فلا بأس بذلك، فصارت محافظتنا الاجتماعية نفاقا تعززه العادات الاجتماعية الصارمة. وفي عالم مليء بالمنافقين لا تستطيعي أن تجدي لكِ مكانا إلا بإطلاق جميع مشاعر الغيرة والطمع والغضب، وحتى الحقد، لتشعري بالرغبة الكاملة للنجاح، وأن تتحولي لإنسان شرس وقاسي كي يكون لكي مكان بين المتنافسين".
استمرت العنود في ذلك الحديث لساعات، وكنت أنا استمع فقط، متعاطفة أحيانا ومصدومة أحيانا أخرى. ومن المؤكد أني خرجت من تلك المحادثة أكثر نضجا، ولكن أقل تفاؤلا بالمستقبل أيضا.

هناك تعليق واحد:

منال يقول...

يسعد صبــاحك .. صباح الثقافة

,لداروين التي سبق لي دراستها بجامعتي slave-master لقد ذكرتني كلمات الأخت العنود بنظرية

لقد ربطت بين كلمات العنود الدروينيه وبين نظرية الأخ تشارلز داروين , العنود تطبق نظرية داروين على رحيل .. ورئيس العنود يطبق نفس النظرية على العنود ومن فوق هذا الرئيس يطبق .. ولو عدنا للأساس لوجدنا بلدنا الجميل ايضا يطبق؟ ((بلد المطبق احنا!!)) و

و على حد علمي داروين هو من اشهر نظرية العبودية والاستعباد! .. اما الاسلام فقد نفاها وحرمها!؟

!!وعلى حد علمي ايضا ..اننا بلد مسلم


صَدقتيِ العنود نحن بشر ولدنا وتربينا في احضان بلد منافق فكيف لنا ان لا نكون منافقين؟؟

وعزائي لقهوة عربي ولكن نحن في بلد (درويني) فاذا اردتي العيش فنصحيتي ان تطبقي نظرية

(Survival of the fittest)

!!لاسوتنا داروين