23 أغسطس، 2010

مالك نجر.. مات غرونينغ الجديد


لم ينتشر مقطعا الشهور القليلة الماضية كما انتشر مقطع (الواسطة) الكارتوني الذي عرض في برنامج (كوميدو) على قناة (إم بي سي). الملايين شاهدوه على الشاشة أو عن طريق (اليوتيوب).

وعلى الأرجح شاهده كل سعودي يملك إيميلا أو هاتفا متحركا ذكيا. فالجميع يرسله للجميع. شخصيا وصلني أكثر من 15 مرة. وصلني عن طريق إيميلي، وجوالي، وحسابي في الفيس بوك، والآخر في تويتر. صديقي لم يكتف بإرساله إلى بريدي الإلكتروني، بل صار يقلد صوت الشخص الذي يتقمص دور (الواسطة) في المقطع صباحا ومساء. عبر الهاتف أو وجها لوجه

نجاح هذا المقطع القصير وانتشاره اللافت وتأثيره على مشاهديه يجسد مواهب من يقف خلفه. إنهم في الحقيقة ليسوا فريقا غفيرا. إنهم شخص واحد يدعى مالك نجر (25 عاما). مالك يؤلف ويرسم ويمثل وينتج فنضحك.

استطاع مالك الذي ولد ونشأ في بلدة صغيرة تسمى (الرفايع) بالدوادمي أن يقتحم كل بيت في المملكة وما جاورها بفضل ذكائه وإبداعه. هذا الإبداع الذي بدأ مبكرا، مبكرا جدا كان خلف المشاهد المفخخة والكوميديا السوداء التي يبتكرها حاليا

فقد كان يرسم في المرحلة الابتدائية على جدران منزله صور حيوانات متفرقة. متوحشة وأليفة. ظلت أمه تطاردهم طوال اليوم في منزلها وتغتالهم واحدا تلو الآخر بخرقتها الرطبة. وقبل أن يجف عرق أمه سرعان ما يعيدهم مجددا إلى الحياة بأقلامه التي لا تفارق أصابعه. لم تجد والدته خيارا لإبادة الحيوانات المقبلة على جدرانها سوى عن طريق شراء كراسة رسم لابنها. الكراسة صارت اثنتين، وبسرعة أصبح مالك يملك أكثر من 10 كراسات ملأها حيوانات ووجوها مثيرة للشفقة والضحك

تطورت موهبة مالك مع مرور الوقت وأصبح يرسم على أطراف دفاتره رسوما على طريقة (فليب بوك) التي تتحول إلى فيلم رسوم متحركة قصير. هذه الأفلام كانت مفاجأة لوالديه الأميين ومعلميه في المدرسة وزملائه. وصارت حديث مدينته الوادعة.

حاول مالك أن يستثمر موهبته الفنية والتشجيع الذي ناله إثرها في دراسة التربية الفنية. لكنه لم يحصل على قبول في الجامعة. فهو لم يملك المعدل المطلوب والواسطة التي تفتح له الأبواب المغلقة. فالموهبة وحدها لا تكفي في وطننا.

لم يهدر مالك وقتا طويلا في الحزن والبحث عن واسطة. أخذ ينمي موهبته بنفسه. اشترك في العديد من المواقع الأجنبية وطالع الكثير من التجارب الغربية. ساعدته لغته الإنجليزية على التواصل مع مواهب من شتى أنحاء العالم. نهل من تجاربهم وشرب من خبراتهم.

بعد أن تعلم المبادئ الأساسية في إنتاج أفلام الرسوم المتحركة والإخراج عرض مالك تجاربه على الإنترنت ويوتيوب تحديدا. هذه التجارب استفزت المبدع ثامر الصيخان، مخرج برنامج كوميدو، على التواصل مع مالك للمشاركة في إنتاج مقاطع حصرية قصيرة للبرنامج. هذا الاتفاق الذي يشبه الذي وقع بين المخرج المعروف جيمس إل بروكز ورسام الكاريكاتير مات غرونينغ عام 1986 لإنتاج المسلسل الكارتوني الشهير (ذي سيمبسونز) يشي بنجاح مشابه. وردود الأفعال الواسعة والإيجابية المبكرة تؤكد ذلك.

فمالك لا يشبه غرونينغ في خطوطه ونزقه فحسب بل حتى في استحلابه للأفكار. فإذ كان مات يظل يقود دراجته حتى يصطاد فكرة. فإن مالك نجر يقطع طريق الرياض الدمام السريع بحثا عن نصف فكرة

مالك نجر الذي يتبعه مئات المعجبين على تويتر. ويتلقى سيلا من الإشادات المتواترة يوميا لم يبدأ بعد. فلديه الكثير ليقوله ويرسمه ونضحك عليه. مالك موهبة متدفقة واستثنائية. حول معاناته مع الواسطة إلى مشهد ساخر تاريخي. ونقل معاناة العزاب مع لافتة (للعوائل فقط) إلى الفضاء عبر مقطع مثير للحزن والضحك معا

سينجح مالك أكثر لأنه لم يدع الشهادة تعترض طريقه. وتحيل أحلامه إلى حطام. آمن بموهبته ومضى. مضى على طريقة ستيف جوبز وريتشارد برانسون وسيمون كاول ومايكل ديل وميلتون هيرشي الذين أبدعوا دون الاستعانة بشهادة تصادق على كفاءتهم.

شكرا مالك. وشكرا أكبر منها لأمك لأنها أهدتك كراسة فأهديتنا سعادة. سعادة لا تنقشع.

هناك تعليق واحد:

جبران زكري يقول...

أنا من عشاق هذا الفن، وقد امتهنته لفتره من حياتي ايام كانت التقنية سلحفاة مريضة، لا انسى اول مرة شاهدت فيها احد اعمال مالك أدهشتني جدا واعادتني الى العالم الجميل الذي كنت اعيشه، من يومها وانا متابع متلهف لأعمال المبدع بنجر وارى له مستقبلا يشع بامال عريضة، وبعد متابعتي لمالك في تويتر اشعر باني اعرفه من قرب، لكني اعرف ان مبدعا مثله لايحب الإزعاج لهذا فانا اتابعه بصمت.. والاحظ انه شاب خلوق عميق الثقافة وفيه شخصية مرحة وساخرة الى حد ممتع،،

شكرا مالك والشكر موصول للمبدع كاتب هذه النبذة الاكثر من رائعة ..