27 يوليو 2010

أنا أتذمر إذا أنا موجود

(3)
أنا أتذمر إذا أنا موجود
عندما سألوا باحث ياباني متخصص في دراسة التراث العربي عن رأيه بالثقافة التي عاش معها لأكثر من أربعين عاما، قال وبشيء من الأسى: "عندما يعامل الشعب على نحو سيء فإن الشعور بالاختناق والتوتر يصبحان سمة عامة للمجتمع بكاملة."
ولو أردت أن أعود بذاكرتي لأول مرة سمعت فيها كلمة "هجرة"، فربما تكون عندما كنت فتاة صغيرة وسمعت أمي تصيح في لحظة غضب: "هذه البلاد لا يمكن أن نعيش فيها ولا بد أن نهاجر". قالتها وهي تشتكي من أمر لم أعد أتذكره، لكني أتذكر أنها كانت توجه كلامها لأبي.
ارتبطت حياتي في بيت الأسرة بسماع تذمر والدتي المستمر، فهي كانت تشتكي من حرارة مدينة الرياض وجفافها، ومن الناس وطريقة تعاملهم، وتتذمر عندما تريد أن تخرج ولا تجد والدي أو السائق ليوصلها. ببساطة كانت تتذمر من كل شيء وأي شيء في هذا المكان الذي أصبحت تسميه "البلد الحزين". حتى أني أعتقد أن اسمي "رحيل" يحمل جزءا من هذه الفكرة، ولا أعلم هل كانت والدتي تفكر في الهجرة عندما أطلقت علي هذا الاسم أم لا؟!
ولم يكن التذمر قاصرا على منزلنا فقط، فقد أصبح التذمر أحد معالم المجتمع السعودي في سنوات ما بعد الحرب الخليجية الثانية. ولا أريد أن أقول ذلك للتقليل من الهوية السعودية، ولكنها ظاهرة قوية لا أستطيع أن أمنع نفسي من رؤيتها تقريبا في كل شخص وفي كل مكان.
ربما كان المجتمع السعودي قبل تلك الحرب مقطوعا عن العالم، ويعيش في قفصه الزجاجي الذي يقيه الشرور الموجودة خارجه، وفجأة صار أمام العديد من الحقائق والمتغيرات الجديدة عندما انكسر ذلك القفص وتسرب إليه الضوء عبر القنوات الفضائية والإنترنت، وصار لديه واقع آخر يقارن نفسه به.
أصبح كالطفل الصغير المقهور الذي يرى الأطفال الآخرين يملكون أشياء كثيرة ليست لديه، ويمرحون ويستمتعون في الحياة بطريقة لم يعهدها. وكلما ازدادت صورة الحياة الخارجية وضوحا كلما أرتفع صوت النحيب لذلك الطفل المحروم، وصار صوته مسموعا في كل مكان.
هل من المصادفة أيضا أن انتشار محلات القهوة ذات التصميم الغربي أو ما نسميها بـ "الكوفيشوب" قد بدأت بالظهور في نفس هذه الفترة؟! طبعا أنا لا أدعي أي ترابطا مباشرا بينهما ولكني أشير إلى كونهما قد ظهرا في نفس الفترة تقريبا.
يبدو لي أننا كشعب سعودي قد سمعنا الكثير من التذمر في حياتنا، وأننا سنحتاج إلى سنوات من العلاج النفسي حتى نخرج أنفسنا من هذه الحالة. وقد قمت ببعض البحث عن الحالة النفسية للشخصية المتذمرة، واكتشفت أن التذمر هو أحد طرق إظهار الألم الداخلي عندما لا يعرف الإنسان ما هي العلة التي يشكو منها. فما هي مشكلتنا يا ترى؟‍!

ليست هناك تعليقات: