25 يوليو 2010

علمتني الحياة


استعجبت من الاختلاف الواضح في أسلوب الكتابة للمفكرين العرب مقابل نظرائهم الغربيين في كتاب "علمتني الحياة" (طبعة عام 1952) بإشراف الدكتور أحمد أمين والذي عشت بين سطوره خلال عطلة نهاية الأسبوع الماضية. طرح كل كاتب من المفكرين الشرقيين والغربيين في هذا الكتاب مقالا يعاين فيه ما "علمته الحياة" ومنهم أسماء مازالت معروفة إلى يومنا هذا مثل عباس محمود العقاد وتوفيق الحكيم وحافظ وهبه. هذا الكتاب هو امتداد لكتاب This I Believe للإعلامي الأمريكي إدوارد آر مورو الذي حوى مقالات لمفكرين أمريكيين وأوروبيين يشاركون القراء دروس الحياة. ولكن الكتاب بطبعته العربية يكشف لنا عن نقطة تقاطع بين الفكر العربي والغربي في الفترة التالية للحرب العالمية الثانية.

هناك عدة نقاط مقارنة ومنها أن المفكرين العرب كتبوا حول رحلاتهم العلمية ومغامراتهم الفكرية أما كتاب الغرب فقد دارت مقالاتهم حول ما تعلموه من خلال تجربة الحرب التي هي القاسم المشترك الأهم بينهم (كل بحسب الدور الذي لعبه أو الوضع الذي وجد نفسه فيه). بالرغم من أن الحرب العالمية الثانية لم تستثني العالم العربي إلا أن كتابات المفكرين العرب تجعلني استشف بأن تجربة الحرب لم تكن أساسية بالنسبة لهم أو أنهم استطاعوا تفادي تبعاتها بشكل أو بآخر. ولكن ذلك ليس أهم نقاط المقارنة. أهم تلك النقاط – في اعتقادي – هي أسلوب السرد والطرح؛ فالفرق بين الطرح العربي والطرح الأمريكي واضح للقارئ المتفاعل.

لقد وجدت أن الطرح "الشرقي" في مجمله كان سردا تاريخيا شخصيا لحياة كل كاتب، عادة ما يحكي لنا عن محطات أساسية في حياته وعن تأثره بعائلته وبالأشخاص الذين احتك بهم ومن ثم (في مجموعة كبيرة من المقالات) يحيك الكاتب قصة قصيرة أو حكمة أو بيت شعر ليؤكد على ما "علمته الحياة". أما كُتّاب الغرب فمعظمهم كان يركز على حدث درامي أو موقف قدري غير حياته وجعله يدرك شيئا جديدا. لقد وجدت أن معظم المقالات الغربية تعرض تجربة التحول في الفكر بسبب تفاعل مع شخص أو كنتيجة لموقف مفصلي.

ما أهمية هذه الملاحظة؟ ربما لا شيء أو كل شيء! فإن كان التحليل لغرض أدبي فيمكننا أن نخلص إلى استنتاجات حول خصال السرد التراكمي الشخصي للمفكرين العرب بالمقارنة مع السرد القصصي الغربي لحدث مفصلي في تلك الحقبة من الزمن. أما إن كان لاستنتاج كيفية تبلور القيم فربما نخلص إلى أن ما تعلمه هؤلاء الكتاب العرب كان نتيجة لدروس تعلمها كل منهم على مدى حياته ومن خلال قصص قد سمعها أو قرأها، أما الغربي فربما تكون أهم الدروس من خلال التجارب الشخصية المفصلية. أما إن كنا نريد أن نفضل أحدهما على الآخر فإن ذلك يوقعنا في شرك المقارنة السلبية لأننا كقراء بعد أكثر من خمسين عام من اصدار الكتاب يجب أن نتمتع بالحنكة الكافية لاستخلاص الحسنات والعبر من مثل تلك المقالات واضعين في الحسبان الاختلاف الشاسع بين جيلنا وجيلهم وبين تجاربهم وحياتنا وكذلك بين تاريخهم وبيئتنا ولا ننسى أن في هذه القرية الكونية التي نعيش فيها اليوم فإن ما يؤثر في الشرق يحسّه الغرب والعكس صحيح.

ليست هناك تعليقات: