20 يوليو 2010

سنة أولى قلم

(2)
سنة أولى قلم
من الكتب الرائعة التي قرأتها في بدايات حياتي كان كتاب "سنة أولى سجن" للكاتب والصحفي الرائع مصطفى أمين. فقد كنت من المعجبات بكتابته الصحفية الخفيفة، وخاصة عندما كان يطل كل صباح على عقول قراءه بزاويته الجميلة التي اسماها "فكرة".
في ذلك الكتاب عاش مصطفى أمين بذكرياته وأفكاره أياما عصيبه قضاها في السجن، ليس لسبب إلا لأنه كان يخالف التوجه السياسي للحكومة المصرية في تلك الفترة. وقد كتب في أحد المرات في زاويته فكرة متحدثا عن تجربة له مع أحد المحققين: "بدأ حديثه وسألني عن أي نوع من القهوة أود أن أشرب، وطلبت (قهوة مضبوط)، فطلب لي رئيس النيابة القهوة ثم طلب (واحد ليمون)، وبعد ذلك قال لي: أنت متهم بأنك أهنت أدولف هتلر رئيس دولة ألمانيا، قالها بهدوء بنفس النبرة التي طلب بها لي (واحد قهوة، وواحد ليمون)، وكأنه يقول لي أهلاً وسهلاً وحشتنا وآنستنا". كان هذا المحقق هو حسن الهضيبي المرشد الثاني للإخوان المسلمين.
أردت أن أطلب "قهوة مضبوط" بعد أن كتبت هذه الكلمات عن كاتبي المفضل، لكني تذكرت أن المقهى الذي أجلس فيه لا يقدم إلا القهوة الأمريكية والأوربية فقط، فاكتفيت بأن اقتبس أسلوبه في الكتابة، حيث اعتمد على الفصول القصيرة الهادفة، والنمط الشخصي السردي، فصار كمن يكتب مذكراته ولكنه يروي حكاية أيضا.
وقد يكون من المفيد أن أذكر أن هذه هي المرة الأولى التي أمارس فيها الكتابة بهذا الشكل الكثيف والعميق، لذا فقد وجدت نفسي أبحث عن مصادر تدلني على "تقنيات الكتابة"، والتي كنت أعتقد أنها سهلة ومتوافرة للجميع. وبعد بحث كثير في امهات الكتب العربية التي تتناول موضوع الكتابة، لم أجد فيها (ولا في مناهجنا الدراسية طبعا) إلا النزر اليسير الذي لا يمكن أن يعطي الانطلاقة الحقيقية للكاتب.
كنت أعتقد أنني إذا بدأت في كتابة السطر الأول فستنهمر الكلمات والجمل كالسيل الذي لا يريد أن يتوقف، لكني أكتشفت أن ذلك غير صحيح. فالكلمات والكتابة تحتاج إلى فكر منظم وإلى عملية من التنسيق والترتيب المستمرين، حتى يخرج الإنسان بشيء ذو قيمة.
لم استطع أن أجد مرادي إلا عبر الانترنت، ولدى كاتب أمريكي مغمور (كان يدعي عبر موقعه الإلكتروني أنه يستطيع أن يعلم أي إنسان كيف يكتب كتابا خلال أربعة عشر يوما فقط!!). ومن النصائح التي اعتقد أنها كانت الأكثر فائدة لي في كتابة هذه الأحداث، كونه كان يقول دائما أن الكتابة ليست ابداعا، وإنما اجتهادا ومثابرة. فمن يستطيع أن يتكلم يستطيع أن يكتب، لكننا وضعنا لأنفسنا الكثير من "التهويلات" التي تجعلنا بعيدين عن أن نصدق أننا قادرين على أن نكتب.
كما أنه تعمق كثيرا في مسالة "التخطيط" في الكتابة، بل أنه دخل إلى أصغر التفاصيل ووضع ترتيبا للصفحات والفصول حتى لا يجعل هناك مكانا كي تفكر أو تحاول أن تتخيل أثناء الكتابة.
لقد استطاع فعلا أن يحطم كل الصور النمطية عن الكتابة لدي، ولابد لكل من أراد أن يشق له طريقا في عالم الكتابة أن يكتشف بنفسه المزيد من الأسرار التي يندر وجودها في مكتباتنا العربية، ويبخل علينا بها (أو يجهلها) معظم كتابنا الأفاضل.
كما أنه جعلني أفكر أيضا بأننا لا نضع هذه التهويلات في الكتابة فقط، بل ربما في حياتنا كلها. وربما تكون الحياة أسهل لو استطعنا أن نكتشف بعض الأسرار التي جعلت من الأخرين ناجحين ومتميزين وسعيدين في حياتهم (لكن تلك مسألة أخرى).

ليست هناك تعليقات: