31 يوليو، 2010

الأمن الإماراتي يعتقل دعاة مسيرة سلمية عبر البلاك بيري


قامت الجهات الأمنية الإماراتية بحملة إعتقالات و سجن و تفنيش من الوظيفة بحق بعض الشبان الذين قاموا بنشر رسالة عبر جهاز البلاك بيري مسنجر يدعون فيها لمسيرة سلمية احتاجاّ على رفع أسعار البترول. و تعرفت الجهات الأمنية على الشخص الذي قام بتصميم و إرسال شعار(بنر) الدعوة من خلال كود جهاز البلاك بيري الخاص به حيث قام هو عن قصد بطباعته على الشعار، من منطلق كون الدعوة سليمة و لا تحمل أية نوايا سيئة كما اكد لنا مصدر موثوق و مطلع.

و بالرغم من أن المسيرة لم تقُم، حيث قام مرسل الدعوة لتنظيم المسيرة– و هو شاب يبلغ من العمر 23 عاماً و يدعى"سعود" – بإرسال رسالة أخرى لزملائه يخبرهم فيها بإلغاء المسيرة بعد أن حذرة بعض الأصدقاء من أن ذلك يمكن يتسبب له بمشاكل لدى الجهات الأمنية، إلا أن ذلك لم يمنع السلطات الأمنية من استدعاء "سعود" عشية زيادة أسعار البترول في الخامس عشر من الشهر الجاري و التحقيق معه في مدينة عجمان ثم تحويله إلى شرطة دبي، حيث كان يعمل، و تم التحقيق معه و اتهامه "بتحريض الشعب على الحكومة"، تم على إثرها حبسه لمدة أسبوع و إقالته من وظيفته كمدخل بيانات في شرطة دبي.

و توالت الإعتقالات على إثر ذلك، حيث قامت الجهات الأمنية في مختلف إمارات الدولة باعتقال مجموعة اخرى من الشبان الذين كانت لهم صلة بتنظيم أو توزيع رسالة المسيرة التي كانت على شكل شعار مرسوم بالكمبيوتر، فقد اعتقلت السلطات الإماراتية شاباً آخر يدعى "بدر علي سيود الظهوري" من منطقة وادي شعم برأس الخيمة يبلغ من العمر 18 عاماً، و لا يزال قيد الإعتقال لدى الجهات الأمنية في أبوظبي و لم توجه إليه تهمة حتى اللحظة كما أخبرتنا بعض المصادر المقربة. كما و قد عرفنا أن هناك ما يقارب خمسة أشخاص آخرين (سعيد، أحمد، مروان، طاهر، و عبدالله) يرجح أن يكون بعضهم قيد الإعتقال وبعضهم الآخر مطلوبين لدى الجهات الأمنية على خلفية هذه الاحداث. و لا توجد تاكيدات نهائية حول العدد الكلي للمعتقلين أو المطلوبين

وكانت مجموعة من الشباب الإماراتيين قد دعت إلى تنظيم مسيرة احتجاج سلمية إنطلاقاً من إمارة الفجيرة إلى إمارة أبوظبي بالسيارات، و قد تم تداول الدعوة عبر خدمة جهاز البلاك بيري مسنجر. وكانت الرسالة التي تم تداولها تنص على التالي "مطلوب شباب لمسيرة من إمارة الفجيرة إلى إمارة أبوظبي .. بعنوان: لا فائدة في المال إذا لم يسخر لخدمة الشعب. إن لن تنظم عمم على الكل. إرسل رسالة إلى البن20FC6E51". يذكر أن العنوان الذي تم إعطاءه للمسيرة مأخوذ من مقولة شهيرة لمؤسس الدولة المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان.

إلا أن المسيرة لم تقم، حيث تم تداول رسالة بعد مدة زمنية قصيرة مفادها أن المسيرة ألغيت، و حذرت رسائل أخرى من أن من يقوم بذلك سيكون مخالفاً للقانون و ستتعرض سيارته للحجز لمدة شهر

وقد جاءت هذه المطالبة على إثر قيام شركات توزيع الوقود في الإمارات بزيادة أسعار الوقود للمرة الثانية خلال مدة ثلاثة أشهر، ليكون بذلك سعر البنزين في الإمارات الأعلى بين الدول العربية و الخليجية كما ذكر بعض المحللين

يذكر أن قوانين دولة الإمارات صارمة جداً في هذا الصدد و تمنع كل انواع المسيرات و التجمعات و التظاهرات و الإضراب السلمية، و يتطلب القيام بأي نشاط من هذه الأنشطة الحصول مسبقاً على الموافقة الأمنية من الجهات المختصة، التي لا تمنح التراخيص اللازمة لذلك في أغلب الحالات إلم يكون في جميعها. إلا أنه و بالرغم من ذلك، تشهد الإمارات العديد من المسيرات السلمية بالسيارات خلال الإحتفالات الرياضة بفوز نادٍ إماراتي أو فوز المنتخب الوطني ببطولة إقليمة، دون ان يكون هناك تصريح لها من قبل الجهات الأمنية، و هو ما يشكل مفارقة هنا، حيث يستهجن البعض السماح بالمسيرات الرياضية و عدم السماح بالمسيرات الإحتجاجية المشابهة كالتي بين أيدينا

28 يوليو، 2010

حملة يسلم هالراس


دشن شاب عشريني في منطقة القصيم حملة لتغطية زجاج السيارات بصور إمام الحرم المكي السابق الشيخ عادل الكلباني تحت شعار "الأغاني حلال.. يسلم هالراس" تأييداً لفتوى الكلباني بإباحة الغناء, وطالب الشاب أقرانه عبر المنتديات الالكترونية بالاقتداء به لكف مطاردات أفراد هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لهم وسحب أشرطة الأغاني من سياراتهم بحجة أنها من المنكرات.

ونشر الشاب الذي لم يكشف عن هويته صوراً في عددٍ من المنتديات الالكترونية لسيارته الصغيرة "هونداي" بعد تغطية زجاجها الخلفي بصورة الكلباني مقرونة بعبارة "يسلم هالراس", بشكل يكشف عن مدى التأييد الذي حظيت به فتوى الكلباني في الأوساط الشبابية في السعودية.

يُشار إلى أن ظاهرة تغطية زجاج السيارات بالصور والعبارات انتشرت بشكل كبير خلال العامين الماضيين, وتبرز بشكل واضح خلال الاحتفال باليوم الوطني حيث يعمد كثير من الشبان إلى تغطية زجاج سياراتهم بعلم المملكة وصور قادتها.. ولم يسبق أن شوهدت صور للدعاة ورجال الدين على السيارات قبل فتوى الكلباني .

27 يوليو، 2010

أنا أتذمر إذا أنا موجود

(3)
أنا أتذمر إذا أنا موجود
عندما سألوا باحث ياباني متخصص في دراسة التراث العربي عن رأيه بالثقافة التي عاش معها لأكثر من أربعين عاما، قال وبشيء من الأسى: "عندما يعامل الشعب على نحو سيء فإن الشعور بالاختناق والتوتر يصبحان سمة عامة للمجتمع بكاملة."
ولو أردت أن أعود بذاكرتي لأول مرة سمعت فيها كلمة "هجرة"، فربما تكون عندما كنت فتاة صغيرة وسمعت أمي تصيح في لحظة غضب: "هذه البلاد لا يمكن أن نعيش فيها ولا بد أن نهاجر". قالتها وهي تشتكي من أمر لم أعد أتذكره، لكني أتذكر أنها كانت توجه كلامها لأبي.
ارتبطت حياتي في بيت الأسرة بسماع تذمر والدتي المستمر، فهي كانت تشتكي من حرارة مدينة الرياض وجفافها، ومن الناس وطريقة تعاملهم، وتتذمر عندما تريد أن تخرج ولا تجد والدي أو السائق ليوصلها. ببساطة كانت تتذمر من كل شيء وأي شيء في هذا المكان الذي أصبحت تسميه "البلد الحزين". حتى أني أعتقد أن اسمي "رحيل" يحمل جزءا من هذه الفكرة، ولا أعلم هل كانت والدتي تفكر في الهجرة عندما أطلقت علي هذا الاسم أم لا؟!
ولم يكن التذمر قاصرا على منزلنا فقط، فقد أصبح التذمر أحد معالم المجتمع السعودي في سنوات ما بعد الحرب الخليجية الثانية. ولا أريد أن أقول ذلك للتقليل من الهوية السعودية، ولكنها ظاهرة قوية لا أستطيع أن أمنع نفسي من رؤيتها تقريبا في كل شخص وفي كل مكان.
ربما كان المجتمع السعودي قبل تلك الحرب مقطوعا عن العالم، ويعيش في قفصه الزجاجي الذي يقيه الشرور الموجودة خارجه، وفجأة صار أمام العديد من الحقائق والمتغيرات الجديدة عندما انكسر ذلك القفص وتسرب إليه الضوء عبر القنوات الفضائية والإنترنت، وصار لديه واقع آخر يقارن نفسه به.
أصبح كالطفل الصغير المقهور الذي يرى الأطفال الآخرين يملكون أشياء كثيرة ليست لديه، ويمرحون ويستمتعون في الحياة بطريقة لم يعهدها. وكلما ازدادت صورة الحياة الخارجية وضوحا كلما أرتفع صوت النحيب لذلك الطفل المحروم، وصار صوته مسموعا في كل مكان.
هل من المصادفة أيضا أن انتشار محلات القهوة ذات التصميم الغربي أو ما نسميها بـ "الكوفيشوب" قد بدأت بالظهور في نفس هذه الفترة؟! طبعا أنا لا أدعي أي ترابطا مباشرا بينهما ولكني أشير إلى كونهما قد ظهرا في نفس الفترة تقريبا.
يبدو لي أننا كشعب سعودي قد سمعنا الكثير من التذمر في حياتنا، وأننا سنحتاج إلى سنوات من العلاج النفسي حتى نخرج أنفسنا من هذه الحالة. وقد قمت ببعض البحث عن الحالة النفسية للشخصية المتذمرة، واكتشفت أن التذمر هو أحد طرق إظهار الألم الداخلي عندما لا يعرف الإنسان ما هي العلة التي يشكو منها. فما هي مشكلتنا يا ترى؟‍!

26 يوليو، 2010

جمعية عدم إحراج القبائل


لو أجري استفتاء عام حول أسوأ جمعية سعودية لحصلت جمعية حماية المستهلك على المركز الأول والثاني والثالث ونافست بقوة على بقية المراكز العشرة الأولى، لأنها منذ إنشائها لم تفعل أي شيء بخصوص أي شيء، وفوق كل ذلك يظهر علينا رئيس جمعية حماية المستهلك بكلام أقل ما يقال عنه إنه مستهلك حين يقول في مؤتمر نشرت صحيفة الحياة تفاصيله أن جمعيته لا تريد نشر قائمة سوداء بالتجار الغشاشين لأن الحكومة ترى أن ذلك يؤثر على (نفسية) قبائلهم ويحرجها!. 

أي أن التاجر الغشاش إذا كان حربيا أو عتيبيا أو مطيريا أو شمريا أو عنزيا أو قحطانيا أو ياميا أو غامديا أو زهرانيا أو جهنيا أو من أي قبيلة أخرى فإن بقية أفراد قبيلته سوف يشعرون بالإحراج ولن يخرجوا من بيوتهم بعد اكتشاف تاجر غشاش ينتمي إلى قبيلتهم!، بالله عليكم هل هذا كلام يصدر عن رئيس جمعية مهمتها الدفاع عن حقوق المستهلكين؟!، والله لو سمع رالف نادر هذا التبرير العجيب لألقى بنفسه من أعلى ناطحة سحاب في نيويورك!. 

لا يوجد أحد اليوم يمكن أن يستوعب هذا المنطق الغريب فكافة أفراد المجتمع يفهمون أن خطأ الشخص لا ينسحب على قبيلته، وكل قبيلة وعائلة فيها الصالح والطالح، ونحن نقرأ كل أسبوع تقريبا أسماء بعض المدانين بجرائم كبيرة وتنتهي أسماؤهم بأسماء قبائل معروفة أو عائلات مشهورة دون أن يشعر أحد بالإحراج لأن هذا الأمر طبيعي جدا ويحدث في أحسن العائلات!. 

بل إن هذا التصريح العجيب يوحي بشكل أو بآخر أن أغلبية التجار الغشاشين هم من أبناء القبائل حتى لو لم يكن رئيس الجمعية يقصد ذلك!، وهو أمر بخلاف أنه غير مقبول فإنه أيضا غير صحيح فالواقع يقول إن الأغلبية الساحقة من أبناء القبائل تنتظر الراتب الشهري على أحر من الجمر ونسبة التجار بينهم ضئيلة جدا ولاترى بالعين المجردة، وإن حدث وظهر بينهم تاجر (حتى لو كان غشاشا) فإنه سيجد أبناء القبيلة قد جاؤوا إليه منذ الصباح الباكر كي يقرضهم وحينها سيكون بين خيارين، إما أن يتحول إلى بنك للتسليف أو أنهم سيضعون اسمه في قائمتهم السوداء التي هي أشد قسوة وأسرع انتشارا من قائمة جمعية حماية المستهلك!.

ماذا نقول؟ .. رئيس جمعية حماية المستهلك يرى الغش التجاري أمام عينيه، ويلاحظ الارتفاع الجنوني للأسعار دون ضوابط، ويسمع عن عبث شركات السيارات بحقوق زبائنها، ويقرأ في الصحف يوميا عن ضبط أغذية منتهية الصلاحية، دون أن نسمع له ولجمعيته الموقرة صوتا .. وحين يقرر أخيرا أن يتحدث يقول إنه لا يريد فضح الغشاشين كي لا يحرج القبائل .. ليس لدينا ما نقوله سوى: (صب قهوة يا ولد)!.

25 يوليو، 2010

علمتني الحياة


استعجبت من الاختلاف الواضح في أسلوب الكتابة للمفكرين العرب مقابل نظرائهم الغربيين في كتاب "علمتني الحياة" (طبعة عام 1952) بإشراف الدكتور أحمد أمين والذي عشت بين سطوره خلال عطلة نهاية الأسبوع الماضية. طرح كل كاتب من المفكرين الشرقيين والغربيين في هذا الكتاب مقالا يعاين فيه ما "علمته الحياة" ومنهم أسماء مازالت معروفة إلى يومنا هذا مثل عباس محمود العقاد وتوفيق الحكيم وحافظ وهبه. هذا الكتاب هو امتداد لكتاب This I Believe للإعلامي الأمريكي إدوارد آر مورو الذي حوى مقالات لمفكرين أمريكيين وأوروبيين يشاركون القراء دروس الحياة. ولكن الكتاب بطبعته العربية يكشف لنا عن نقطة تقاطع بين الفكر العربي والغربي في الفترة التالية للحرب العالمية الثانية.

هناك عدة نقاط مقارنة ومنها أن المفكرين العرب كتبوا حول رحلاتهم العلمية ومغامراتهم الفكرية أما كتاب الغرب فقد دارت مقالاتهم حول ما تعلموه من خلال تجربة الحرب التي هي القاسم المشترك الأهم بينهم (كل بحسب الدور الذي لعبه أو الوضع الذي وجد نفسه فيه). بالرغم من أن الحرب العالمية الثانية لم تستثني العالم العربي إلا أن كتابات المفكرين العرب تجعلني استشف بأن تجربة الحرب لم تكن أساسية بالنسبة لهم أو أنهم استطاعوا تفادي تبعاتها بشكل أو بآخر. ولكن ذلك ليس أهم نقاط المقارنة. أهم تلك النقاط – في اعتقادي – هي أسلوب السرد والطرح؛ فالفرق بين الطرح العربي والطرح الأمريكي واضح للقارئ المتفاعل.

لقد وجدت أن الطرح "الشرقي" في مجمله كان سردا تاريخيا شخصيا لحياة كل كاتب، عادة ما يحكي لنا عن محطات أساسية في حياته وعن تأثره بعائلته وبالأشخاص الذين احتك بهم ومن ثم (في مجموعة كبيرة من المقالات) يحيك الكاتب قصة قصيرة أو حكمة أو بيت شعر ليؤكد على ما "علمته الحياة". أما كُتّاب الغرب فمعظمهم كان يركز على حدث درامي أو موقف قدري غير حياته وجعله يدرك شيئا جديدا. لقد وجدت أن معظم المقالات الغربية تعرض تجربة التحول في الفكر بسبب تفاعل مع شخص أو كنتيجة لموقف مفصلي.

ما أهمية هذه الملاحظة؟ ربما لا شيء أو كل شيء! فإن كان التحليل لغرض أدبي فيمكننا أن نخلص إلى استنتاجات حول خصال السرد التراكمي الشخصي للمفكرين العرب بالمقارنة مع السرد القصصي الغربي لحدث مفصلي في تلك الحقبة من الزمن. أما إن كان لاستنتاج كيفية تبلور القيم فربما نخلص إلى أن ما تعلمه هؤلاء الكتاب العرب كان نتيجة لدروس تعلمها كل منهم على مدى حياته ومن خلال قصص قد سمعها أو قرأها، أما الغربي فربما تكون أهم الدروس من خلال التجارب الشخصية المفصلية. أما إن كنا نريد أن نفضل أحدهما على الآخر فإن ذلك يوقعنا في شرك المقارنة السلبية لأننا كقراء بعد أكثر من خمسين عام من اصدار الكتاب يجب أن نتمتع بالحنكة الكافية لاستخلاص الحسنات والعبر من مثل تلك المقالات واضعين في الحسبان الاختلاف الشاسع بين جيلنا وجيلهم وبين تجاربهم وحياتنا وكذلك بين تاريخهم وبيئتنا ولا ننسى أن في هذه القرية الكونية التي نعيش فيها اليوم فإن ما يؤثر في الشرق يحسّه الغرب والعكس صحيح.

24 يوليو، 2010

لا أريد فتوى بل أريد رغيفا


من ضمن عشرات الرسائل الألكترونية التي تحمل الغرابة أحيانا والدهشة أحيانا أخرى، والترويج للإشاعات أحايين كثيرة، جأتني هذه الرسالة الطريفة والخفيفة، حدثت في مجتمع لاتعنيه الإشاعات بقدر ماتعنيه الإنجازات، مجتمعات خالية من العقد، والتناقضات، مجتمعات لا تعترف بالأقنعة والتزييف الإنساني .

الرسالة عبارة عن خبر موثقا بالصور، اختصرته بطريقة وافية، يقول الخبر :

(يقدم مطعم في مدينة نيويورك نوعا جديدا من الجبنة مصنوعا من حليب ثديي زوجة الطاهي  وذكرت صحيفة نيويورك بوست أن الطاهي دانيال انغرير في مطعم كلي براسيري في منطقة تشلسي في نيويورك يقدم للزبائن جبنة مصنوعة من حليب ثدي المرأة .وقال إن طعم الحليب حلو يشبه نوعا ما حليب البقر وأشار إلى أن النكهة تعتمد على المواد التي تقدم معها الجبنة، موصيا بتقديم النبيذ الألماني (ريسلينغ) معها،  وقال إن طلب الزبائن يتزايد على الجبن المصنوع من حليب ثدي زوجته !) انتهى .

لا أخيفكم إني استخدمت طريقة جورج قرداحي بالإستعانة بصديق لدود يجيد (لغة الكفار) كما يسمونها إخواننا المتشددين  للبحث في موقع الصحيفة الإلكتروني عن صحة هذا الخبر، فجاء صوته عبر الجوال مجلجلا بالضحك وهو يتساءل : ترى هل وصلت لهم فتوى الشيخ العبيكان عبر وسائط الإتصال المختلفة، وماذا لو طبقوا هذه الفتوى، هل سيكون سكان تشلسي أبناء للزوجين وأخوة لأولادهما من الرضاعة ؟!

قلت له ياصديقي اللدود :هم لايضيعوا وقتهم في مثل هذه المجادلات العقيمة، بل يستثمروه في الإبحاث العلمية والإكتشافات الطبية، شعوب ليست بحاجة إلى فتاوى إرضاع الكبير بل إلى مصانع تصنع وتبتكر مانستهلكه أنا وأنت ومن هم يدورون في فلك السفسطة ياصديقي، شعوب لاتعنيها فتوى الأغاني هل هي حلال بمعازف أم بمغارف ؟!

لأنها منظمة فكريا من الداخل، فللعمل وقت وإنتاجية ملموسة، وللهو وقت تتنفس فيه الأرواح من عناء العمل اليومي . لقد تجاوزوا هذه الحقبة المظلمة التي نعيشها منذ زمن، فغزوا الفضاء وأطلقوا الأقمار الإصطناعية، ونحن استثمرنا هذه الأقمار ببث الأغاني الهابطة من السماء، ونشر الفتاوى التي لاتعني المواطن البسيط شيئا، فالمواطن في زمن الطبقية وغلاء الأسعار و هوامير الأسهم  وتجار الأراضي  ولصوص المساهمات يبحث عن رغيف وليس عن فتوى !

المواطن البسيط يبحث عن وظيفة متناسبة مع هذا الوضع المعيشي المكلف، وعن مسكن آمن في وطنه، المواطن البسيط يريد أن يجد سريرا في مستشفى إذا مرض، وعناية صحية إذا داهمته (جلطات) الزمان من كل إتجاه، المواطن البسيط لاتعنيه فتوى أرضاع (الكبير)، (فالكبار) سيأكلون بأيديهم وأرجلهم ولن يتركوا للصغار سوى الفتات، بل مايعني هذا المواطن المسكين :  (فتوى عن ضياع حقوق الصغار)..ويكفي!

21 يوليو، 2010

الخاطرة كبداية سردية


لا يعرف الكثير من المثقفين العرب وخصوصا المصريين الكثير عن القصة اليمنية، ومن هنا تأتي أهمية كتاب “مختارات من القصة اليمنية القصيرة” الصادر عن سلسلة آفاق عربية، التي تصدرها الهيئة المصرية لقصور الثقافة ويرأس تحريرها الروائي إبراهيم أصلان، فهو يضم مختارات من القصة اليمنية منذ بدايتها مطلع الأربعينيات من القرن الماضي حتى الجيل الحالي.

هذه المختارات انتقاها الناقد إبراهيم أبو طالب وقدمها بدراسة شبه توثيقية لمراحل تطور القصة اليمنية منذ ظهورها الأول على هيئة خواطر وعبر ونصائح في الصحف السيارة، حتى وصولها إلى مرحلة القصة القصيرة وأحدث أشكال فن القصة القصيرة وأساليبه العربية.

المرحلة الأولى أطلق عليها اسم “الولادة والتكوين”، وفيها رصد بداية ظهور فن القصة بالمعنى الحديث في اليمن، وحدد قصة “أنا سعيد” لأحمد البراق المنشورة عام 1940 كأول قصة قصيرة يمنية، غير أنه لم يتوقف طويلا أمام هذه المرحلة باعتبارها مرحلة البدايات غير الناضجة، والتي غلب عليها طابع النصائح الاجتماعية، وذهب إلى أن مرحلة تأسيس القصة اليمنية الحديثة تأخرت حتى عام 1950، حينما ظهرت أول قصة تتجاوز مرحلة البدايات، وهي قصة “سعيد المدرس” لمحمد سعيد مسواط، فهي الشرارة الأولى وبداية التأسيس للقصة اليمنية، ومعها ظهر ما يمكن اعتباره جيل الرواد في القصة اليمنية.

المرحلة الثالثة بدأت مطلع الستينيات، وفيها دخلت القصة اليمنية حيز التجنيس، وفيها ظهر أهم وأشهر قاصين في العصر الحديث وهما زيد مطيع دماج وعبدالله سالم باوزير، وفي تلك المرحلة صدرت سبع مجموعات قصصية يمنية.

والمرحلة الرابعة في تاريخ القصة اليمنية بدأت في السبعينيات، واستفادت من تطور المجتمع اليمني وتأسيس جامعتي صنعاء وعدن عام 1970، اللتين كانتا من أهم العوامل في قيام النهضة العلمية والأدبية في اليمن، وأثمرت هذه المرحلة جيلا شابا متفتحا على كافة صنوف المعرفة، وفي الوقت نفسه بالغ في الولع بالتجديد والتجريب الذي وصل بالقصة اليمنية في مرحلة التسعينيات الخامسة إلى مرحلة القصة القصيدة أو “الأقصودة “ حسب وصف مقدم المختارات، وهي القصة القصيرة جدا والمكثفة جدا والمستفيدة من شكل القصيدة وإيقاعها وغموضها أيضا.

20 يوليو، 2010

سنة أولى قلم

(2)
سنة أولى قلم
من الكتب الرائعة التي قرأتها في بدايات حياتي كان كتاب "سنة أولى سجن" للكاتب والصحفي الرائع مصطفى أمين. فقد كنت من المعجبات بكتابته الصحفية الخفيفة، وخاصة عندما كان يطل كل صباح على عقول قراءه بزاويته الجميلة التي اسماها "فكرة".
في ذلك الكتاب عاش مصطفى أمين بذكرياته وأفكاره أياما عصيبه قضاها في السجن، ليس لسبب إلا لأنه كان يخالف التوجه السياسي للحكومة المصرية في تلك الفترة. وقد كتب في أحد المرات في زاويته فكرة متحدثا عن تجربة له مع أحد المحققين: "بدأ حديثه وسألني عن أي نوع من القهوة أود أن أشرب، وطلبت (قهوة مضبوط)، فطلب لي رئيس النيابة القهوة ثم طلب (واحد ليمون)، وبعد ذلك قال لي: أنت متهم بأنك أهنت أدولف هتلر رئيس دولة ألمانيا، قالها بهدوء بنفس النبرة التي طلب بها لي (واحد قهوة، وواحد ليمون)، وكأنه يقول لي أهلاً وسهلاً وحشتنا وآنستنا". كان هذا المحقق هو حسن الهضيبي المرشد الثاني للإخوان المسلمين.
أردت أن أطلب "قهوة مضبوط" بعد أن كتبت هذه الكلمات عن كاتبي المفضل، لكني تذكرت أن المقهى الذي أجلس فيه لا يقدم إلا القهوة الأمريكية والأوربية فقط، فاكتفيت بأن اقتبس أسلوبه في الكتابة، حيث اعتمد على الفصول القصيرة الهادفة، والنمط الشخصي السردي، فصار كمن يكتب مذكراته ولكنه يروي حكاية أيضا.
وقد يكون من المفيد أن أذكر أن هذه هي المرة الأولى التي أمارس فيها الكتابة بهذا الشكل الكثيف والعميق، لذا فقد وجدت نفسي أبحث عن مصادر تدلني على "تقنيات الكتابة"، والتي كنت أعتقد أنها سهلة ومتوافرة للجميع. وبعد بحث كثير في امهات الكتب العربية التي تتناول موضوع الكتابة، لم أجد فيها (ولا في مناهجنا الدراسية طبعا) إلا النزر اليسير الذي لا يمكن أن يعطي الانطلاقة الحقيقية للكاتب.
كنت أعتقد أنني إذا بدأت في كتابة السطر الأول فستنهمر الكلمات والجمل كالسيل الذي لا يريد أن يتوقف، لكني أكتشفت أن ذلك غير صحيح. فالكلمات والكتابة تحتاج إلى فكر منظم وإلى عملية من التنسيق والترتيب المستمرين، حتى يخرج الإنسان بشيء ذو قيمة.
لم استطع أن أجد مرادي إلا عبر الانترنت، ولدى كاتب أمريكي مغمور (كان يدعي عبر موقعه الإلكتروني أنه يستطيع أن يعلم أي إنسان كيف يكتب كتابا خلال أربعة عشر يوما فقط!!). ومن النصائح التي اعتقد أنها كانت الأكثر فائدة لي في كتابة هذه الأحداث، كونه كان يقول دائما أن الكتابة ليست ابداعا، وإنما اجتهادا ومثابرة. فمن يستطيع أن يتكلم يستطيع أن يكتب، لكننا وضعنا لأنفسنا الكثير من "التهويلات" التي تجعلنا بعيدين عن أن نصدق أننا قادرين على أن نكتب.
كما أنه تعمق كثيرا في مسالة "التخطيط" في الكتابة، بل أنه دخل إلى أصغر التفاصيل ووضع ترتيبا للصفحات والفصول حتى لا يجعل هناك مكانا كي تفكر أو تحاول أن تتخيل أثناء الكتابة.
لقد استطاع فعلا أن يحطم كل الصور النمطية عن الكتابة لدي، ولابد لكل من أراد أن يشق له طريقا في عالم الكتابة أن يكتشف بنفسه المزيد من الأسرار التي يندر وجودها في مكتباتنا العربية، ويبخل علينا بها (أو يجهلها) معظم كتابنا الأفاضل.
كما أنه جعلني أفكر أيضا بأننا لا نضع هذه التهويلات في الكتابة فقط، بل ربما في حياتنا كلها. وربما تكون الحياة أسهل لو استطعنا أن نكتشف بعض الأسرار التي جعلت من الأخرين ناجحين ومتميزين وسعيدين في حياتهم (لكن تلك مسألة أخرى).

19 يوليو، 2010

زحف الجيل الجديد


هناك شيء ما ينضج في السعودية. الحراك الفكري والفقهي. السجالات بين التيارات. الحضور الإعلامي. الزحف الروائي. الزوايا الصحفية التي تعد بالمئات. النشاط الثقافي في المؤسسات. كل تلك المظاهرة تدل على أن هناك حركة إيجابية داخل المجتمع السعودي. صحيح أن بعض ذلك الحراك فوضوي لكنها طبيعة حركة المجتمعات نحو الاختلاف. نحو التغيير

المهندس يحيى خان عمل استبياناً أثمر عن نتيجة لم يتوقعها؛ وجد أن 42% من الشباب السعوديين يقرؤون الروايات. يقول في دراسته: "تصدرت الروايات القائمة بنسبة 42 %، تلتها الكتب الدينية 26 %، ثم كتب علم النفس 15 %، وكتب تطوير الذات 14 %، وتساوت الكتب الأدبية مع الشعر بنسبة 12 % لكل منهما". وبين يحيى، أن بعض العينة أكدت أنها تحمل الكتاب معها في كل مكان تذهب إليه: "هناك من يختار نقطة جلوسه أو استرخائه للقراءة بشكل دقيق جدا مع مراعاة موقع باب الغرفة والنوافذ من تلك النقطة، وآخرون تختلف عاداتهم وطقوسهم بحسب نوعية الكتاب". 

في خبرٍ آخر؛ كشف تقرير تقني عن تجاوز عدد المستخدمين للإنترنت في منطقة الشرق الأوسط خلال العام الجاري 15 مليون مستخدم. ويشكل السعوديون 52% من أولئك المستخدمين. نحن نعرف أن شريحة ليست قليلة من المستخدمين يتجهون نحو الانشغال بالإنترنت لأغراض التسلية، وربما العبث، أو قتل الوقت، لكن في آخر الأمر مجرد التعوّد على استخدام الشبكة العنكبوتية يعتبر محاولةً للتغلب على الأمية التقنية التي تهيمن على المجتمعات في العالم الثالث. إن هذا التطوّر على مستوى القراءة واستخدام الإنترنت أمر يبشّر بالخير

قال أبو عبد الله غفر الله له: لدينا الآن عدة أسباب للأمل في التغيير والتطوير. أول تلك الآمال نفوذ العولمة وتأثيرها على المشهد الثقافي والفقهي والرياضي على ما نشهده حالياً. رفعت العولمة الغطاء عما كان مخفياً، كان الناس يظنّون أن لدينا أفضل ثقافة، وأحسن فقه، وأجمل رياضة

العولمة وثورة التقنية كشفت المستور. أوضحت أننا مثل غيرنا، لدينا إيجابياتنا وسلبياتنا. الأمل الثاني في تطوّر التعليم على مستوى الجامعات بالذات، ولا ننسى الابتعاث. الأمل الثالث في جيوش القراء السعوديين من الجيل الجديد الذين بدؤوا في تلمس الطرق الأخرى، بالروايات والكتب الناقدة للسائد والبحث عن الحقيقة والشك بالمعتاد والتشجّع على الاجتهاد والصدع بالرأي. كل تلك العوامل تجعلنا نتمسّك بالأمل ضد اليأس، وبالممكن ضد المستحيل.

18 يوليو، 2010

صلاة أبو متعب الطويلة


تمر الحياة سريعاً بحلوها ومرّها، وتمر السنين وقد قابلنا فيها العديد والعديد من البشر من كل جنس ونوع. يبقى دائماً من بين كل البشر أناس قليلون لهم مكانة خاصة في قلوبنا. ربما يكونوا أثروا فينا بفكرهم فأناروا طريقنا، أو لهم مواقف شخصية نبيلة معنا فلا ننسى فضلهم علينا، أو أنهم مجرد أصدقاء مخلصين ليس لهم هدف من صداقتنا سوى تبادل المحبة والآراء والهموم فيما بيننا ونحن نسير سوياً في هذه الحياة، أو أننا لم نقابلهم يوماً ولكننا عرفنا عن مواقف شخصية لهم لا تغيب عن ذاكرتنا!

دائماً ما نتناسى أو نتجاهل لحسابات شخصية أن نقول لمن نحترم ولمن نحب أننا نحترمهم وأننا نحبهم، ودائماً ما نتذكر ذلك بعد فوات الأوان فيصيبنا الندم على عدم مبادرتنا!

أهداني روبرت ليسي نسخة من كتابه الأخيرداخل المملكة: الملوك، العلماء، التحديثيون، الإرهابيون، والصراع من أجل السعوديةفور صدوره. قابلت المؤلف المشهور والمتخصص في كتابة سير العوائل المالكة عشرات المرات هنا في جدة طوال إقامته المؤقته. كنا نتبادل الحديث والحوار حول كثير من القضايا والقصص والتي وثقها في كتابه ومن بينها قصتي (لاحقاً ربما سأكتب مراجعة أشمل عن هذا الكتاب).

وجدت في هذا الكتاب، الكثير من المعلومات السياسية والتاريخية المهمة والنادرة عن السعودية، والتي لا أعتقد أنني كنت سأعرف عنها يوماً لولا هذا الكتاب. كثيرة جداً تلك المعلومات والقصص التي وجدتها في ثنايا الكتاب وتوقفت عندها مذهولاً أو معجباً أو ضاحكاً أو مصدوماً! الكاتب كان منصفاً بشكل عام كما أرى، فهو لم يجامل أو يتملق كما أنه لم ينتقد بشكل غير منصف كما يفعل الكثير من الكتاب الغربيين. سأذكر هنا موقفاً واحداً وثقه الكاتب واستوقفني كثيراً كما أنه آلمني.

عبدالله بن عبدالعزيز أوأبو متعبكما يحب شعبه أن يسميه، كان ولازال ينال على احترامنا وحبنا وتقديرنا كمواطنين. على الرغم من أن الكثير من مصاعب الحياة التي تواجه المواطن السعودي تصاعدت في عهده إلا أن مكانته وشعبيته في قلوب شعبه لم تتزحزح! كارثة الأسهم، مساهمات سوا، الإرهاب، البطالة، مشكلة تملك السكن، كارثة جدة وغيرها من القضايا كلها حصلت أو تصاعدت في عهده. ولكن في عهده أيضاً ارتفعت حرية الرأي، الحوار الوطني، مشاريع المدن الإقتصادية، إصلاح التعليم، إصلاح القضاء، البعثات، ملف المرأة، البدء في محاربة الفساد وغيرها. في عهده فقط، بدأت أشعر أن مرحلة الإصلاحات بدأت ونأمل أن تستمر. ربما نختلف حول نجاح أو فشل أو سرعة أو بطء الإصلاحات ولكني لم أجد منصفاً يشكك بأن أبو متعب يحاول ويحاول ويحاول.

يذكر روبرت ليسي في كتابه أن الملك قرر زيارة كاوست وهي تحت الإنشاء ليشاهد تطور مراحل العمل. كلنا نعلم أن كاوست تعني لأبي متعب الشيء الكثير، فهو قد قال في التلفزيون أن كاوست هي حلمه منذ عشرين عام. قرر الملك ركوب الباص الملكي الكبير متوجهاً من جدة إلى مقر كاوست في ثول ليشاهد بنفسه مراحل الإنشاء. يقول الكاتب أن اختيار الملك لركوب الباص الملكي يعني وقت الترفيه الجماعي حيث يركب معه الكثير في الباص وهناك ينشدون الشعر والقصائد الشعبية والأهازيج بشكل جماعي مثلما يفعل الكثير منا في الرحلات الجماعية. لابد أن أبو متعب كان متحمساً ومتشوقاً لرؤية أي مرحلة وصل العمل على إنشاء جامعته وحلمه وحلمنا كمواطنين.

عندما وصل الباص الملكي لكاوست، لم يجد الملك أمامه من المباني شيئاً يذكر. كان العمل بطيئاً ولم ينجز شيئاً كما كان يتوقع. طلب منهم الذهاب للمسجد ولكن ليس له أثر بعد. طلب منهم أن يأخذوه لسكن الطلاب، ولكنه لم يجد من المباني شيئاً يذكر كذلك. نزل الملك من الباص، نظر بحسرة وبصمت، ثم ركب الباص مرةً أخرى بدون أن يسلّم على المسؤولين عن إنشاء الجامعة والذين كانوا قد اصطفوا ينتظرونه لتحيته.

في طريق العودة، كان الصمت يخيم على ركاب الباص. كان الملك حزيناً. لم يجد شيئاً من آثار حلمه على أرض الواقع على الرغم من توفيره لكل الإمكانيات المادية وغيرها. في طريق العودة، كان الجميع صامتين، فلا قصائد، ولا أشعار، ولا أهازيج.
في طريق العودة وعلى الكورنيش كما يصف روبرت ليسي، دخل وقت صلاة المغرب فكانت المساجد ترفع الآذان. طلب الملك من السائق أن يتوقف قبل وصوله لقصره على شاطيء البحر ليصلي المغرب قبل أن يخرج الوقت. منظر الغروب على البحر هو منظر شاعري كما نعلم جميعاً. صلى أبو متعب المغرب على الكرسي وهو لابساً ثوبه الأبيض وعمامته البيضاء وجزمته البيضاء. وبعد الصلاة، بقي الملك على كرسيه يسبح الله ثم رفع يديه يدعوا ربه. أطال الملك في الدعاء رافعاً يديه نحو السماء، وأطال، وأطال.. كانت صلاة أبو متعب ذلك المغرب ودعائه طويلاً جداً وأطول من المعتاد.

إن كنت حساساً وعاطفياً مثلي، فغالباً أنه أصابك شيء من القشعريرة مثلما أصابني بعد قراءة هذا المقطع والوصف من الكاتب. تخيلت أبو متعب وهو في الباص وكله حماس لرؤية حلمه على أرض الواقع والمرافقين معه في الباص ينشدون الأهازيج والقصائد. وعندما صدمه الواقع، عاد حتى بدون أن يسلم على من حملهم الأمانة فخيبوا ظنه حينها. أتخيل أن الصمت في الباص بكل تأكيد كان أليماً. كاوست والمدن الإقتصادية ومحاربة الفقر والحوار الوطني وغيرها، كلها مشاريع أبي متعب والتي أتوقع أنه كان يفكر فيها بحزن في تلك اللحظة، وكلها مشاريع تتعرض للتأخير والتأجيل والتسويف والإحباط من قوى مقاومة الإصلاح والتغيير ومن أيضاً من كان يتوقع أنهم يجب أن يكونوا سنده ومعاونيه. وصلاة الملك بجانب الشاطيء بلباسه الأبيض وقت المغرب الشاعري وطول دعائه رافعاً يديه نحو السماء كان منظراً أكثر إيلاماً.

17 يوليو، 2010

الهدلق: إبعاد أكثر من 2000 معلم نشروا الفكر المتطرف عن التدريس


أبلغ «عكاظ» مستشار صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن نايف مساعد وزير الداخلية للشؤون الأمنية مدير الإدارة العامة للأمن الفكري في وزارة الداخلية الدكتور عبدالرحمن الهدلق، بإبعاد ألفي معلم عن التدريس ونقلهم إلى وظائف إدارية في العامين الماضيين.

وقال الهدلق: «إن الإبعاد جاء بسبب الغلو وإيقاف عدد من المعلمين بعدما تبين أنهم يحيلون رسالة التدريس في المواد الدراسية إلى إدارة لنشر الفكر الضال»

وزاد مدير إدارة الأمن الفكري: «مثال على ذلك معلم يكفر زميله الذي يعلم اللغة الإنجليزية لاعتقاده بأنه يدرس لغة (الكفر) والشواهد على ذلك كثيرة، منها المناشط اللاصفية والرفاق والإنترنت والإعلام التقليدي، فهذه عوامل تغذي هذه الأطياف وتساعد على تواجدها مع العائدين من جبهات القتال».

وكان مجلس الخدمة المدنية منح صلاحيات واسعة لوزير الداخلية ووزير التربية والتعليم لنقل المعلمين المتورطين في قضايا أمنية وأخلاقية ومهنية إلى وظائف خارج سلك التعليم، مفوضا وزير التربية بصلاحيات واسعة في معالجة وضع المعلمين المخلين بشرف مهنة التدريس دون الرجوع للجنة قضايا المعلمين ودون صدور أي أحكام

وتضمن القرار جواز النقل لأسباب متعلقة بالمصلحة العامة التي يرد بها توجيه وزير الداخلية ولا يستدعي عرضها على لجنة قضايا المعلمين، والأسباب المتعلقة بالمصلحة التعليمية والتربوية.

وفي شأن المقررات الدراسية في مناهج التعليم العام في المملكة، نفى الهدلق تهمة التطرف عنها، قائلا: «يوجد لدينا الكثير ممن تخرجوا من نفس المقررات ولم يتطرفوا، بل إذا نظرنا إلى الدول التي لا تدرس مقرراتنا لوجدنا فيها متطرفين».

وأفاد مدير إدارة الأمن الفكري، أنه «أشرف على رسائل ولم يجد التطرف في المقررات الدراسية بل وجد تعزيزا للمفاهيم الفكرية السليمة»، داعيا إلى «ضرورة مراجعة الابتعاث لما له من أثر فكري سلبي».

وفي السياق ذاته، أفاد الهدلق أن إدارته أعدت دراسة لفهم القضية تبين فيها أن أغلب أصحاب الفكر الضال من صغار السن ومتوسطي الدخل ومن الطبقة الوسطى التي تميل إلى الدنيا، مشيرا أن الفكر الضال يقوم على ثلاث فئات: الفتيان والمال والفكر، وآلية التجنيد ترتكز على تجمعات في المساجد والجامعات ولقاءات الأقارب والأنشطة الدينية.

ورأى مدير إدارة الأمن الفكري أن من مظاهر الانحراف الفكري الغلو في الدين، تبني الإرهاب، سوء الظن، والتجرؤ على الفتوى، مبينا أن أسباب الانحراف الفكري تعود لقلة الوعي الشرعي وغياب التوازن ومصادر التلقي المشبوهة، إذ تبين في دراسة أجراها ضعف العلم الشرعي لديهم بل حتى لدى منظريهم وقادتهم الشرعيين.

وأشار الهدلق إلى وجود استراتيجية المواجهة الفكرية المتلخصة بمصطلح «وتر»، والتي تعني وقاية وتأهيل ورعاية، إذ تشمل محاورة الموقوف حول الشبهات التي يحملها، وعقد دورات علمية ومتابعة الحالة النفسية والاجتماعية داخل مركز الأمير محمد بن نايف.

14 يوليو، 2010

لماذا المرأة المتطرفة؟


كتبت منذ عشر سنوات مقالا أحذر فيه من التطرف النسائي في المجتمع السعودي. فقد كنت حينها رئيسا لتحرير مجلة «سيدتي»، وكثيرا ما تلقيت كما من الرسائل العنيفة ــ إن جازت التسمية ــ من سيدات سعوديات ينتقدن فيها اختيار فتاة لتكون غلاف العدد. كان النقد يأتي بسبب ما تراه المنتقدات من انتقاص في الحشمة وخروج عن ثقافة المجتمع الدينية من مجرد صورة لفتاة لا ترى شيئا حاسرا عن جسمها. هذه المبالغة في النقد من صور لا تحمل أية إثارة جعلتني أرى بذور تطرف تكبر وراء الحوائط العالية.

وقد تأكد صحة ما ذهبت إليه مع الأخبار الأخيرة التي كشفت عن اعتماد القاعدة على المرأة في الأعمال اللوجستية في صورة دعم مادي أو معنوي من خلال الترويج عبر النت. عزت بعض وسائل الإعلام الأمر إلى إفلاس القاعدة مع الضربات الأمنية الموجعة، وأنا أتفق مع هذه النظرة، لكن يجب أيضا أن نبحث عن ما يدفع المرأة إلى التطرف. الأسباب وراء ذلك كثيرة، وقد قرأت من فند هذه الأسباب بشكل موضوعي فكان تهميش المرأة، وانصهارها المطلق في شخصية ولي أمرها على رأس القائمة. الإسلام حفظ للمرأة شخصيتها، لكن ثقافة المجتمع سلبتها منها. الإسلام أعطاها الحق في العلم والعمل، لكن المجتمع رفضها. الإسلام أكد أنها اللبنة في الأسرة وعماد المجتمع، لكن ثقافة الخوف الاجتماعي همشتها حتى باتت تابعة لا شريكة، وخادمة لا سيدة.

عندما نقرأ ما قاله وزير التربية والتعليم السابق الدكتور الرشيد عن تهديد البعض له بالقتل بسبب ما قيل من قرارات اتخذت في شأن تعليم البنات في عهده، نستطيع أن نرى إلى أي مدى ينظر إلى المرأة في مجتمعنا السعودي. نحن باختصار جردناها من صفتها البشرية، مفترضين أنها يجب ألا تكون أكثر من آلة تتوجه كيفما نشاء لها أن تتوجه، فتتكلم متى سمحنا لها بالكلام، وتعمل متى سمحنا لها بالعمل، حتى لم يبق سوى أن نحدد لها متى تأكل متى تشرب ومتى تصفف شعرها. البشرية تتطور بالخطأ والصواب. فلا يوجد من لا يخطئ ولا يوجد من هو مصيب بالمطلق. ونحن إن كنا أخطأنا معها حتى الآن، وجردناها من صفات إنسانية هي حق لها، فمن حق التطور علينا، وحقها هي نفسها، أن نعيد لها ولو بعض ما سلبناه منها، أولها شخصيتها، وقراراتها، وبشريتها. إن لم نفعل ذلك، فلنا أن نتوقع جيشا من المتطرفات لا نعرف متى ولا أين ستصيبنا حرابه.

13 يوليو، 2010

في انتظار القهوة

(1)
في انتظار القهوة
في بعض اللحظات تشعر أن جميع الطرق قد سدت في وجهك، وأن كل الناس قد اتفقت على أن تمنعك ما تريد، وأن الدنيا قد جعلت الوحدة هي المصير الذي ينتظرك، فلا يبقى لك نصيب من الزمان أو المكان الذي تعيش فيه، فيسارع عقلك للبحث عن زمان أو مكان آخر ينتمي إليه.
لذا قررت أخيرا أن أركب مع السائق وأنطلق في شوارع الرياض (المزدحمة كالعادة) وأبحث عن مكان لأكتب فيه قصتي. أحتاج مكانا أستطيع أن أكون فيه وحيدة، وأضع جهازي أمامي وابدأ في سرد الأفكار.
تحرك السائق في الطرقات على غير هدى، وأنا أنظر إلى الأماكن تمر أمامي واحد بعد الآخر، أبحث عن مكان يجذبني للدخول، لكنها تمر وكأنها صورة مكررة، إلى أن لمحت عيني لوحة كبيرة صارخة تقول "د. كيف".
بمجرد أن رأيت اللوحة عادت إلي الذكريات القديمة، ووجدت نفسي صرت طفلة صغيرة تنظر من نافذة سيارة أبيها إلى شوارع المدينة، وفجأة تطل عليها لوحة عملاقة وعالية بين المباني، يظهر فيها صورة لدلة قهوة عربية، وبجانبها كان هذا الاسم أيضا "د. كيف". وعندما سألت تلك الفتاة الصغيرة والدها عنها أخبرها أنها شركة سعودية تحاول أن تجعل القهوة العربية منافسة للقهوة الغربية، من حيث سرعة التحضير وطريقة التعليب، لكنه أضاف أيضا "أنها لا يمكن أن تنجح أو أن يقبلها المجتمع السعودي، لأنها مختلفة عن قهوته الأصيلة". وقد مر العديد من السنين من غير أن يتحقق ذلك الطموح.
كنت أحتاج إلى الهدوء والتركيز، واحتاج إلى مكان يشعرني بأن الزمن يعيش بين الماضي والحاضر. احتاج لأن أعيش الذكريات وأقارن بين ما كان والآن. فكان هذا هو المكان المناسب لي. من هذا المقهى قررت أن أكتب أفكاري.
بعد أن جلست داخل المقهى وشعرت باللحظة المناسبة، فتحت الجهاز وبدأت الاستعداد للكتابة. وركزت تفكيري لأنطلق في أول فكرة. وكلما تعمقت بالبحث في تلك الفكرة كلما وجدت أنها أقرب إلى الحقيقة من أي شيء آخر. لذا قررت أن أكتب عنها، أو بالأحرى أسجل ملاحظاتي التي جمعتها خلال السنتين الأخيرتين.
لم أتخيل في البداية أني سأستمر أو سأصل لنتيجة تستحق أن أقضي فيها كل هذه الوقت في البحث، فقد بدأت الفكرة من لحظة غضب أردت أن أعبر عنها، ولحظة خيال أردت أن أعيشها لأخرج من ما كان يجول داخل نفسي.
وبينما أنا في انتظار فنجان القهوة وبعد أن هدأت الفكرة المنفعلة داخل قلبي، اشتعلت مكانها فكرة أخرى، لكن داخل عقلي هذه المرة، تصيح بي قائلة: "لا مفر من الهجرة".