22 مارس، 2010

ليبراليون وإسلاميون متشددون

عبدالعزيز التويجري – القبس الكويتية

الصراع الفكري الذي تدور رحاه اليوم بين نخب المجتمع، هو في أساسه صراع بين شيوخ دين وليبراليين.. ولكن، السؤال: ألا يمكن ان يتمتع أحد الشيوخ بحس ليبرالي، ثم أليس في بعض الليبراليين تشدد؟

لذلك، فإن اقتران التشدد بكل رجال الدين هو خطأ فادح، وغير عادل، من شأنه أن يجذب الكثيرين إلى دائرة التطرف، كما أن الربط بين الليبرالية والالحاد في مفهوم الكثير من العامة غير منطقي. فالتدين هو في القلب، واشار رسولنا الكريم -عليه الصلاة والسلام- الى ذلك حين اجهز احد الصحابة في احدى الغزوات على شخص من الجيش الآخر بعد أن نطق الشهادتين، فلامه رسول الحكمة لفعلته، فبرر الصحابي بأنه قام بذلك كون الرجل خاف من السيف، فرد عليه الرسول بعبارة تلخص فحوى المنهج الإسلامي: «هلا شققت عن قلبه؟».

إذًا، لا يمكن لأحد أن يحمل لواء التفكير، ولا لأحد ان يستبيح دماء الناس بحجج اجتماعية، ولا يحق لأي كان أن يشق قلب الناس ليعلم ان كانوا مؤمنين ام كفرة، لذلك كان الشيخ محمد النجيمي الذي التقته قناة سكوب محقا في كثير مما قاله حول التطور والتسامح. فالمنهج الاكثر جدوى اليوم، هو ذاك الذي يحمل في طياته فكرة تقبل الآخر. وللانصاف، فإن اطلاق صفة مصادرة الرأي الآخر على رجال الدين فقط، يعد تهمة ناقصة، لأن هناك ليبراليين متطرفين أيضا، ولا يقبلون بالرأي الآخر، بل ان من تجربتي الخاصة، ان كثيرا من هؤلاء الذين يكتبون ويتحدثون في الندوات عن التعددية والحريات، غير منسجمين مع طروحاتهم التي يقدمونها في حياتهم العادية، ومن خلال النقاشات معهم في الديوانيات، يتكشف للجالسين جانب آخر لم يظهر امامهم من قبل.. فنرى اشخاصا متزمتين بأفكارهم، يلغون الآخر ويصفونهم بالتطرف والتخلف من دون وجه حق، وهنا نقول لهذا النوع «هل شققتم قلوب من تتحدثون عنهم، حتى تعرفوا ان كانوا كذلك أم لا؟».

لذلك، فإن اي عملية مصالحة فكرية بين التيارات، يجب ألا تلقي بلائمة التشدد على طرف واحد. أعرف امام مسجد ساند زوجته في دراستها، وكان بنفسه يجمع لها المصادر والمراجع من أجل رسالة الماجستير التي حققت فيها درجة ممتازة، وكان يتصل بالأدباء والمثقفين للحصول على كل ما من شأنه ان يفيد زوجته في دراستها، وهو عمل لا يقوم به كثير من الليبراليين في بيوتهم ومع زوجاتهم، وربما حتى بناتهم. وبهذا يكون من الحاجة الماسة في هذه الأيام ان يلتقي أطراف المناظرات لا لأجل أن يتصارعوا بأفكار استعراضية، بل لوضع أرضية يقف فوقها رجل الدين الليبرالي.. والليبرالي المتدين كنموذج على تقبل الرأي الآخر.

ومضة:

فقدت الأمتان العربية الإسلامية شيخا جليلا وعالما فاضلا هو شيخ الأزهر محمد سيد طنطاوي -رحمة الله عليه- وبذلك فقدت الأمة شيخا يؤمن بالوسطية والحوار والفكر المتجدد.

ليست هناك تعليقات: