30 يناير، 2010

فكرة لرجال الهيئة 1

صالح إبراهيم الطريقي - عكاظ

يقول في رسالته: كنت في صحبة ابنة أخي، في محاولة لمواساتها بعد خروجها من تجربة زواج جعلتها تنظر لنفسها بأنها فاشلة، وكنا نجلس في مقهى، لم نتهامس، ولم أضع يدي على يدها، مع أني -وفي لحظات- وددت أن أحضنها وهي تبث همومها وتبكي، لكني خفت من عواقب أن أظهر إنسانيتي في مجتمع الحضن وضع لأهداف معينة فقط.

كذلك لم أقدم لها منديلا لتمسح دموعها، حتى لا أثير الريبة فيظن بي كل الظنون، وأني قدمت لها المنديل لأغراض غير بريئة، ومع هذا -ورغم كل الاحتياطات- إلا أنني أثرت ريبة رجال الهيئة؛ ربما لأن رجال الهيئة يعرفون المجتمع بدقة، وأن فكرة أن تنشأ علاقة صداقة بين أخ وأخته، أو أن يأخذ أب ابنته لمقهى، أو بين عم وابنة أخيه أمر مستبعد، فالمتعارف عليه في المجتمع أن هناك مجلسا للرجال ومجلسا للنساء واستراحة للرجال واستراحة للنساء، وربما لو سمح بقيادة المرأة ستكون هناك شوارع للرجل وأخرى للنساء.

قلت: رغم كل الاحتياطات، إلا أن الهيئة ظنوا بنا كل الظنون، ولأن الأشاوس عادة عليهم أن يكونوا متجهمين، لم يبتسموا، وطلبوا منا إثبات صلاحنا، أعني إثباتاتنا، وكنت أحمل هويتي، فيما ابنة أخي لم يكن لديها إثبات، مما اضطرنا للذهاب إلى مركز الهيئة إلى أن نثبت براءتنا. كان تعاملهم حضاريا ولم يتعدوا علينا، ربما كنا -ابنة أخي وأنا- خائفيْن ولم نعترض على أي قرار، لهذا لم يكن هناك داع للتعنيف، بعد حضور أخي والاثباتات التي تؤكد أن تلك المرأة ابنة أخي، أكدوا لنا أنه حصل خير وأنهم يريدون أن يحفظوا المجتمع من الفساد، كنت سأقول لهم: الله يقويكم، شعرت أن الجملة مبتذلة، وأن علي أن أقول لهم: لماذا علينا أن نثبت براءتنا دائما، لكني قررت الصمت حتى لا أكون مبتذلا أو ممتهنا، فالجملة الثانية ستجعلهم يرونني عدوا للإسلام، وأني أريد إشاعة الفساد بالأرض حين أدافع عن خصوصيتي وإنسانيتي ضد هذا الاقتحام المبني على ظنون شخص بأني فاسد. شاهدت أخي وهو ينطلق بالسيارة، انطلاق السيارة بقوة فضح غضب أخي من ذاك الموقف الذي تعرض له، هذا الغضب دفعني لتخيل أن أخي مريض بالقلب، ترى ما الذي كان سيحدث له وهو يتلقى الاتصال ويطلب منه الحضور لمركز الهيئة؟

شغلني عن الإجابة استعادة وجه ابنة أخي، كان وجهها ينضح بالبرود، لا هي غاضبة ولا هي متألمة ولا هي خائفة ولا هو كشف عن شعورها بامتهان كرامتها، كان خليط من كل هذا، ربما خلط تلك المشاعر في وقت واحد يعطي إيحاءات بأن الإنسان لا يشعر بالحياة، لهذا بدا وجهها باردا كوجه ميت.

ليست هناك تعليقات: