28 ديسمبر، 2009

ألغاز تبحث عن حل

المجلة

تحاول المملكة العربية السعودية إعادة صياغة موضوع العلاقة بين السياسة والثقافة في البلاد، وذلك في ظل فهم جديد وأقل غموضًا. وقد نجح مؤلفا الكتاب في تضمين مقالات تسلط الضوء على المراحل الانتقالية للمجتمع السعودي والوضع الإقليمي للدولة. إلا أنه برغم أهدافه والجهود التي بذلت فيه لا يقدم الكتاب قراءة شافية لأولئك الذين يبحثون عن مؤلفات متوازنة ومترابطة ومواكبة للأحداث عن المملكة العربية السعودية.

التركيبة التي تشكل الصورة الخارجية للمملكة العربية السعودية، والتي تشمل الملكية والدين والاتجاه المحافظ غير مألوفة تمامًا بالنسبة للتجربة الثقافية الحالية للغرب. وقد صدر أخيرًا كتاب بعنوان "المملكة" لجوشوا كرازا ومارك هاسبند، حاولا فيه إعادة صياغة موضوع السياسة والثقافة في المملكة العربية السعودية في إطار جديد. ويرى المحرران أن النقاش حول المملكة العربية السعودية يعوقه الكثير من الأفكار المسبقة والمفاهيم المغلوطة. ومما يزيد الأمور سوءًا هو درجة الخصوصية التي تُملي وتحدد علاقة المملكة العربية السعودية مع بقية دول العالم، والتي تؤثر بشكل كبير على قدرة القادة السعوديين على توضيح أسلوب حياتهم".

وفي سبيل التغلب على عقبات محدودية التواصل بين الثقافات، قام المحرران بتجميع قائمة من المقالات من موقعSaudiDebate.com والذي بدأ في أوائل عام 2006، وكان الهدف منه تقديم تحليلات مختلفة عن الحالة السياسية والاقتصادية للمملكة العربية السعودية، فضلًا عن مكانتها في المنطقة؛ وهذه الموضوعات أو التحليلات لا يُسمع عادة عنها بسبب الظروف السابق ذكرها. ووفقا للمقدمة الشاملة للكتاب، فإن النقاش حول المملكة العربية السعودية، الذي غالبا ما يكون ضيق الأفق، في الكثير من وسائل الإعلام الغربية ربما يؤدي إلى استبعاد إمكانية وجود الكثير من المناقشات حول المملكة" وبالتالي فإن هذا الكتاب يهدف إلى طرح كم منوع من الرؤى حول هذا البلد

وينقسم الكتاب إلى أربعة أجزاء. ويحاول المحرران تحقيق نوع من الاتساق بين مدخلات الموقع التي ألهمت الكتاب. فقد نجح الكاتبان في تجميع مقالات تمثل المراحل الانتقالية المتعددة للمجتمع السعودي، وصولًا إلى الموقف الإقليمي للبلاد. صحيح أن المحررين تمكنا من وضع العديد من المقالات التي تتناول موضوعات متنوعة تتعلق بالمجتمع السعودي معًا، ولكنهما لم ينجحا في تقديم أي نوع من الجدل المتماسك حول الرهانات الرئيسية في كل قضية من القضايا الجدلية التي نوقشت. وببساطة يرجع هذا الإخفاق إلى محاولة تغطية كل قضية، مما تسبب في عدم تمكنهما من تقديم فهم واضح للجمهور عن أهم القضايا؛ حتى معظم المناقشات المميزة ضاعت وسط عدد من المقالات التي تتناول قضايا أخرى.

وبالرغم من أنه يمكن التماس العذر للمحررين نوعا ما إذا ما نظرنا إلى أهدافهما، ثمة مشكلة أخرى أساسية في الكتاب وهي التحيز الواضح في المقالات التي تم اختيارها وكذلك المؤلفون الذين وقع الاختيار عليهم. ونتيجة لذلك، لم ينجح الكتاب في تحقيق هدفه وهو عرض كل وجهات النظر المتعلقة بالمجتمع السعودي والسياسة.

ومع ذلك، فإن الكتاب يقدم مزايا معينة. ومن بين هذه المزايا، يتعرض الكتاب لقضايا مثيرة للجدل في المملكة العربية السعودية، مثل دور المرأة، وكيف يتعين على الحكومة الرد على عناصر إسلامية في البلاد والمنطقة. ومن المثير للاهتمام على سبيل المثال، أحد المقالات التي تناولت التقدم الذي أحرزته النساء في سعيهن للحصول علي حقوق معينة واتجاههن بشكل أكبر لإحداث تغيير في المملكة العربية السعودية. وقدرة المؤلف على إعزاء زيادة الأفراد الذين لديهم توجهات إصلاحية إلى أحداث سياسية واجتماعية أكبر مثل حرب الخليج وأحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول، تعد مثالا لنوعية المقالات التي تسلط الضوء بالفعل على طبيعة المجتمع السعودي . فالمقال يتسم بالموضوعية والنظرة التحليلية ولديه القدرة على إعطاء رؤية جدلية للقارئ الذي ربما لا يعي كثيرًا المعايير التي تقود المجتمع السعودي.

ومع ذلك، فإن هذا النوع من المقالات ليس هو القاعدة، فهناك مقالات غيره قدمت آراء شخصية بشأن ما ينبغي القيام به في المملكة العربية السعودية. وبعبارة أخرى، بدلًا من اتباع الموضوعية في الكتابة، قدمت بعض المقالات جدول أعمال وافتقر بعضها الآخر إلى الأدلة اللازمة لدعم حجتها. وبالتالي، فإن موضوعية البحث في الكتاب ككل محدودة .

ومن بين الأمثلة على ذلك أن أحد المقالات ادعت أن وجود قرآن حديث يعتبر خطوة ضرورية من أجل صياغة مستقبل العرب. والحجة الرئيسية في هذا المقال هو أن الدول العربية، بما في ذلك المملكة العربية السعودية، تحتاج إلى "فهم أكثر ديناميكية وبراعة للغة من أجل تحقيق تغيير ملموس وتحريرهم من التفسيرات الأديان المرسلة إليهم. فقط عندما يتم إعادة كتابة القرآن الكريم بلغة عربية حديثة مفهومة تماما من قبل الجماهير، سوف يزدهر المجتمع ويزداد الإيمان". وبالرغم من أن الرؤية التي قدمها فواز تركي تثير تساؤلات مهمة حول سلطة ونفوذ الدين ومخاطر التفسيرات الأصولية، فإنه يقدم حلا غير واقعي.

وتعتبر ترجمة أو إعادة كتابة القرآن وغيره من الكتب المقدسة مهمة صعبة ومثيرة للجدل. وإلى جانب ذلك ، فإنه من غير المحتمل أن تضع الترجمة إلى العربية الحديثة حدا للتفسيرات المتطرفة .ويشير الكاتب نفسه إلى أن "المسلم التقدمي سوف يفسر إيمانه بطريقة تقدمية، أما الرجعي، فسوف يفسره بطريقة متشددة وضيقة الأفق". إذن الحجة ليست غير متناسقة وغير واقعية فحسب، ولكن بالنسبة للضوء الذي تسلطه على المملكة العربية السعودية نفسها، فإنها أيضا محدودة جدا. وبالرغم من أن هذا لا يعني أن المشكلات التي تواجه المملكة العربية السعودية ليست إقليمية في نطاقها، فإن وضع هذا المقال في كتاب يهدف إلى إعطاء مزيد من التبصر بتعقيدات المملكة العربية السعودية يعتبر أمرًا مثيرًا للشك والتساؤل. والكتاب برغم أهدافه والجهود التي بذلت فيه لا يقدم قراءة شافية لأولئك الذين يبحثون عن مؤلفات متوازنة ومترابطة ومواكبة للأحداث عن المملكة العربية السعودية.

ليست هناك تعليقات: