27 أكتوبر 2009

وزير العدل: مصطلح الاختلاط دخيل على قاموس الشرع

جزء من حوار في جريدة الرياض

لقد سمعنا جميعاً عن التوجس من الاختلاط، بحجة تطبيق مفاهيم الإسلام في صيانة المرأة، وحراسة فضيلتها، وعفافها، فكان من الأسف الخلط في هذا: «الاختلاط»، وهو ما لا يعرف في قاموس الشريعة الإسلامية إلا في أحكام محدودة - كمباحث الزكاة - المنبتة الصلة عن معنى هذا المصطلح الوافد، ليشمل في الطروحات المتأخرة ببدعة مصطلحية لا تعرف في مدونات أهل العلم، في سياق تداخل مصطلحها المحدث بمصطلح الخلوة المحرمة التي لا تجيزها فطرة أي مسلم له كرامة وشيمة، فضلاً عن احترامه لأحكام شريعته التي صانت الأعراض، ووضعت السياج المنيع، لأي سبيل قد تخترق هذه المُسلَّمة الإسلامية المتفق عليها.

لقد حرم مفهوم الاختلاط المحدث، ونعى (من حيث يعلم أو لا يعلم) على مشاهد في السيرة النبوية، وسيرة الخلافة الراشدة، وسلف أمتنا الصالح، ومن لازمة التعقب على المشرع، يقول المولى جل وعلا: «ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون».

وفرق بين لقاء تجمعه الحشمة والعفة على رؤوس الأشهاد، متوخياً التحفظ من أي طريق قد تفضي للمحظور الشرعي (كالخضوع في القول، والتبرج، والزينة، والتساهل في التحفظ، وغض البصر، واحتكاك أي منهما بالآخر)، وبين لقاء على غير هذا الهدي الإسلامي المبارك.

وبضوابط الشريعة سار ركب المجتمع المسلم، في صور حية نشهدها كل يوم في شعائرنا: كالصلاة والحج والعمرة، وكذا معاملات الناس بيعاً وشراء، حيث دعيت المرأة للشهادة «واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء»، وكيف تكون شهادة المرأة على البيوع كما أراد الله، وهذا المصطلح المحدث (الاختلاط) بين أظهرنا خالطاً بينه، وبين مفهوم الخلوة المحرمة.

إننا - بفضل الله - لا نقل غيرة على محارم الله، ولا على تقديرنا لأبعاد الفساد الأخلاقي الذي ينافي مقاصد العلم والمعرفة، ويفسد المجتمعات، لكننا أمام شريعة غراء فهمت عن أحوال الناس مقصادهم وما تصلح به أمورهم، فوضعت قواعد وحواجز فحرمت أموراً، وأجازت أخرى، بضوابط لا تفضي للمحرم، وتلك شريعة الكمال التي لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها تنزيل من حكيم حميد، وتحذير نصوصها من الخلوة المحرمة، والتبرج أمام الأجانب أو لبس الزينة، أو الخضوع في القول، وأمرها بغض البصر، شاهد على أن المرأة تحضر المجامع، وتكلم الرجال بقدر الحاجة، ولو لم تكن كذلك لما كان لهذه النصوص معنى، ومن غار على الحرمات فوق غيرة الشرع، دخل في حيز الوسوسة، وسوء الظن بالناس، والتعقب على الشريعة.

وفي هذا السياق ما ثبت في الصحيحين عن أم الفضل بنت الحارث - رضي الله عنها - «إن أناساً تماروا عندها يوم عرفة في صوم النبي صلى الله عليه وسلم، فقال بعضهم: هو صائم، وقال بعضهم: ليس بصائم، فأرسلت إليه بقدح لبن، وهو واقف على بعيره، فشرب»، وذكر شراح الحديث بأن هذا أصل في المناظرة في العلم بين الرجال والنساء.

ومن ذلك ما ثبت في الصحيح عن سهل بن سعد، قال: «دعا أبو أسيد الساعدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكانت امرأته يومئذ خادمهم، وهي العروس، قال سهل: أتدرون ما سقت رسول الله، صلى الله عليه وسلم؟ أنقعت له تمرات من الليل، فلما أكل سقته». وفي رواية: «فما صنع لهم طعاماً، ولا قربه إليهم إلا امرأته أم أسيد»، وذكر أهل العلم في شرح هذا الحديث: جواز خدمة المرأة لزوجها ومن يدعوه عند الأمن من الفتنة، ومراعاة ما يجب عليها من الستر، وجواز استخدام الرجل امرأته في مثل ذلك، قلت: وقد كان هذا شائعاً في القديم في مجتمعاتنا، يحفه نهج سلفنا الصالح في البراءة، والحشمة، والتحفظ، على فطرة الإسلام، وطيب النيات والمقاصد.

ومن نماذج الاختلاط اجتماع النساء في الجهاد، حيث يضطلعن بنقل الماء إلى المجاهدين ومداواة جرحاهم، وهذا سائغ شرعاً، وإن أفضى إلى مخالطة النساء للرجال، لما يتولد عن هذه الأعمال من تحقيق المصالح الشرعية، يشهد لهذا ما روته الربيع بنت معوذ - رضي الله عنها - قالت: «كنا نغزو مع النبي - صلى الله عليه ولسم - فنسقي القوم، ونخدمهم، ونرد القتلى إلى المدينة». وفي رواية: «كنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - نسقي، نداوي الجرحى، ونرد القتلى إلى المدينة».

ومن اجتماع المرأة بالرجل للمصلحة الشرعية، اجتماع الرجال بالنساء لوعظهن وتعليمهن، ففي الصحيح عن ابن عباس قال: «خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم عيد، فصلى ركعتين لم يصل قبل ولا بعد، ثم مال على النساء ومعه بلال، فوعظهن وأمرهن أن يتصدقن».

أننا لا نجد فرقاً بين جمع عام مشمول بحسن المقصد وسمو الهدف، يجتمع - على نبل غايته ورحابة فنائه - الرجال والنساء، يحفهم السمت المنوه عنه، وبين جمع آخر بين الرجال والنساء على مقصد تعبدي نجده تحديداً في طوافهم سوياً، بالبيت العتيق، وسعيهم بين الصفا والمروة، ورميهم الجمار على صعيد واحد، تتجلى في جمعهم المبارك آداب الإسلام الرفيعة، وكل هذا مشمول بالمدلول اللغوي والمصطلح المحدث للاختلاط فهل نمنعه؟، أو نغالي في التوجس ونقول: ينظم ذلك، فساعة للرجال وساعة للنساء؛ لأن الزمن تغير، وأصبح يفضي إلى شر، وأن من الأشرار من رصد في مواطن العبادة وهو يتعاطى المنكر مستغلاً هذه الشعائر المختلطة، إن أفق الإسلام أسمى من هذا كله، وأكثر احتياطاً وتحفظاً وغيرة على محارم الله، وقد أبقى مشهده على مر الزمان يقف أعظم شاهد على أن مصطلح الاختلاط دخيل على قاموس الشرع.

ولو عممنا قاعدة الاختلاط لمنعنا من اجتماع الرجال والنساء في الأسواق والأماكن العامة، فلا ترى المرأة وحولها رجل، لدخول ذلك في معنى الاختلاط المحدث!!.

وكلام فقهاء الإسلام في هذا واضح ومبسوط في مدوناتهم، لا نطيل بذكره، ويهمنا أن نشير إلى أن دين الله أولى من يحتاط له، وأن تحريم الحلال كتحليل الحرام. والعجب من أناس احتاطوا تحت ذريعة سد الذرائع في أمور لم يجر الاحتياط لها في شعائر الإسلام، فناقضوا مشروعهم ونعوا على أنفسهم.

ولا شك أن شيوع مصطلح الاختلاط بدل الخلوة غير الشرعية من الجناية العمدية على المصطلحات الشرعية، وتحميل نصوصها ما لا تحتمل، بل زاد الأمر حيث اكتسى هذا المصطلح الغريب حصانة منتحلة، في حين خالفته نصوص الشرع ونقضت مفهومه، على ما سبق الاستدلال به.


هناك تعليق واحد:

غير معرف يقول...

نحن قوم اعزنا الله بالاسلام فقط
اما سالفة صناعة وتكنولوجيا وفكر فما عندك احد


ولكن عجبي لهؤلاء الذين يطوعون الدين لمصالح اسيادهم